‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عالمية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عالمية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 6 أغسطس 2014

قواعد العشق الأربعون

أليف شافاق
1. إن الطريقة التي نرى فيها الله ما هي إلا انعكاس للطريقة التي نرى فيها أنفسنا. فإذا لم يكن الله يجلب إلى عقولنا سوى الخوف والملامة، فهذا يعني أن قدرًا كبيرًا من الخوف والملامة يتدفق في نفوسنا. أما إذا رأينا الله مفعمًا بالمحبة والرحمة فإننا نكون كذلك.
2. إن الطريق إلى الحقيقة يمر من القلب، لا من الرأس. فاجعل قلبك، لا عقلك، دليلك الرئيسي. واجه، تحد، وتغلَّب في نهاية المطاف على "النفس" بقلبك. إن معرفتك بنفسك ستقودك إلى معرفة الله.
3. إن كل قارئ للقرآن الكريم يفهمه بمستوى مختلف بحسب عمق فهمه. وهناك أربعة مستويات من البصيرة: يتمثل المستوى الأول في المعنى الخارجي، وهو المعنى الذي يقتنع به معظم الناس، ثم يأتي المستوى الباطني، وفي المستوى الثالث يأتي باطن الباطن، أما المستوى الرابع فهو العمق ولا يمكن الإعراب عنه بالكلمات، لذلك يتعذر وصفه.
4. يمكنك أن تدرس الله من خلال كل شيء، وكل شخص في هذا الكون، لأن وجود الله لا ينحصر في المسجد أو في الكنيسة أو في الكنيس. لكنك إذا كنت لا تزال تريد أن تعرف أين يقع عرشه بالتحديد، يوجد مكان واحد فقط تستطيع أن تبحث فيه عنه وهو قلب عاشق حقيقي. فلم يعش أحد بعد رؤيته، ولم يمت أحد بعد رؤيته. فمن يجده يبقى معه للأبد.
5. يتكون الفكر والحب من مواد مختلفة، فالفكر يربط البشر في عقد، لكن الحب يذيب جميع العقد. إن الفكر حذر على الدوام وهو يقول ناصحًا "احذر الكثير من النشوة" بينما الحب يقول "لا تكترث! أقدم على هذه المجازفة". وفي حين أن الفكر لا يمكن أن يتلاشى بسهولة، فإن الحب يتهدم بسهولة ويصبح ركامًا من تلقاء نفسه. لكن الكنوز تتوارى بين الأنقاض. والقلب الكسير يخبئ كنوزًا.
6. الوحدة والخلوة شيئان مختلفان. فعندما تكون وحيدًا، من السهل أن تخدع نفسك ويخيل إليك أنك تسير على الطريق القويم. أما الخلوة فهي أفضل لنا، لأنها تعني أن تكون وحدك من دون أن تشعر بأنك وحيد. لكن في نهاية الأمر، من الأفضل لك أن تبحث عن شخص، شخص يكون بمثابة مرآة لك. تذكر أنك لا تستطيع أن ترى نفسك حقًا إلا في قلب شخص آخر، وبوجود الله في داخلك.
7. مهما حدث في حياتك، ومهما بدت الأشياء مزعجة، فلا تدخل بيوت اليأس. وحتى لو ظلت جميع الأبواب موصدة، فإن الله سيفتح دربًا جديدًا لك. احمد ربك! من السهل عليك أن تحمد الله عندما يكون كل شيء على ما يرام. فالصوفي لا يحمد الله على ما منحه إياه فحسب، بل يحمده أيضًا على كل ما حرمه منه.
8. تنبع معظم مشاكل العالم من أخطاء لغوية ومن سوء فهم بسيط. لا تأخذ الكلمات بمعناها الظاهري مطلقًا. وعندما تلج دائرة الحب، تكون اللغة التي نعرفها قد عفي عليها الزمن، فالشيء الذي لا يمكن التعبير عنه بكلمات، لا يمكن إدراكه إلا بالصمت.
9. لا يعني الصبر أن تتحمل المصاعب سلبًا، بل يعني أن تكون بعيد النظر بحيث تثق بالنتيجة النهائية التي ستتمخض عن أي عملية. ماذا يعني الصبر؟ إنه يعني أن تنظر إلى الشوكة وترى الوردة، أن تنظر إلى الليل وترى الفجر. أما نفاذ الصبر فيعني أن تكون قصير النظر ولا تتمكن من رؤية النتيجة. إن عشاق الله لا ينفد صبرهم مطلقًا، لأنهم يعرفون أنه لكي يصبح الهلال بدرًا، فهو يحتاج إلى الوقت.
10. لا يوجد فرق بين الشرق والغرب، الجنوب والشمال، فمهما كانت وجهتك، يجب أن تجعل الرحلة التي تقوم بها رحلة من داخلك، فإذا سافرت، فسيكون بوسعك اجتياز العالم الشاسع وما وراءه.
11. عندما تجد القابلة أن الحبلى لا تتألم أثناء المخاض، فإنها تعرف أن الطريق ليس سالكًا بعد لوليدها، فلن تضع وليدها إذًا، ولكي تولد نفس جديدة، يجب أن يكون ألم. وكما يحتاج الصلصال إلى حرارة عالية ليشتد، فالحب لا يكتمل إلا بالألم.
12. إن السعي وراء الحب يغيرنا. فما من أحد يسعى وراء الحب إلا وينضج أثناء رحلته. فما إن تبدأ رحلة البحث عن الحب، حتى تبدأ تتغير من الداخل ومن الخارج.
13. يوجد معلمون مزيفون وأساتذة مزيفون في هذا العالم أكثر عددًا من النجوم في الكون المرئي. فلا تخلط بين الأشخاص الأنانيين الذين يعملون بدافع السلطة وبين المعلمين الحقيقيين، فالمعلم الروحي الصادق لا يوجه انتباهك إليه ولا يتوقع طاعة مطلقة، أو إعجابًا تامًا منك، بل يساعدك على أن تقدر نفسك الداخلية وتحترمها. إن المعلمين الحقيقيين شفافون كالبلور، يعبر نور الله من خلالهم.
14. لا تحاول أن تقاوم التغييرات التي تعترض سبيلك، بل دع الحياة تعيش فيك، ولا تقلق إذا قلبت حياتك رأسًا على عقب، فكيف يمكنك أن تعرف الجانب الذي اعتدت عليه أفضل من الجانب الذي سيأتي؟
15. إن الله منهمك في اكمال صنعك، من الخارج ومن الداخل، إنه منهمك بك تمامًا. فكل إنسان هو عمل متواصل يتحرك ببطء لكن بثبات نحو الكمال. فكل واحد منا هو عبارة عن عمل فني غير مكتمل يسعى جاهدًا للاكتمال. إن الله يتعامل مع كل واحد منا على حدة لأن البشرية لوحة جميلة رسمها خطاط ماهر تتساوى فيها جميع النقاط من حيث الأهمية لإكمال الصورة.
16. من السهل أن تحب إلهًا يتصف بالكمال، والنقاء، والعصمة لكن الأصعب من ذلك أن تحب إخوانك البشر بكل نقائصهم وعيوبهم. تذكر: أن المرء لا يعرف إلا ما هو قادر على أن يحب. فلا حكمة من دون حب. وما لم نتعلم كيف نحب خلق الله فلن نستطيع أن نحب حقًا ولن نعرف الله حقًا.
17. إن القذارة الحقيقية تقبع في الداخل، أما القذارة الأخرى فهي تزول بغسلها. ويوجد نوع واحد من القذارة لا يمكن تطهيرها بالماء النقي، وهو لوثة الكراهية والتعصب التي تلوث الروح. نستطيع أن نطهر أجسامنا بالزهد والصيام، لكن الحب وحده هو الذي يطهر قلوبنا.
18. إن كل إنسان عبارة عن كتاب مفتوح، وكل واحد منا قرآن متنقل. إن البحث عن الله متأصل في قلوب الجميع، سواء أكان وليًا أم قديسًا أم مومسًا. فالحب يقبع في داخل كل منا منذ اللحظة التي نولد فيها، وينتظر الفرصة التي يظهر فيها منذ تلك اللحظة.
19. إذا أراد المرء أن يغير الطريقة التي يعامله فيها الناس، فيجب أولًا أن يغير الطريقة التي يعامل فيها نفسه. وإذا لم يتعلم كيف يحب نفسه، حبًا كاملًا صادقًا، فلا توجد وسيلة يمكنه فيها أن يحب. لكنه عندما يبلغ تلك المرحلة، سيشكر كل شوكة يلقيها عليه الآخرون. فهذا يدل على أن الورود ستنهمر عليه قريبًا.
20. لا تهتمي إلى أين سيقودك الطريق، بل ركزي على الخطوة الأولى. فهي أصعب خطوة يجب أن تتحملي مسئوليتها. وما إن تتخذي تلك الخطوة دعي كل شيء يجري بشكل طبيعي وسيأتي ما تبقى من تلقاء نفسه. لا تسيري مع التيار، بل كوني أنت التيار.
21. لقد خلقنا جميعًا على صورته، ومع ذلك فإننا جميعًا مخلوقات مختلفة ومميزة. لا يوجد شخصان متشابهان، ولا يخفق قلبان لهما الإيقاع ذاته. ولو أراد الله أن نكون متشابهين لخلقنا متشابهين. لذلك، فإن عدم احترام الخلافات وفرض أفكارك على الآخرين، يعني عدم احترام النظام المقدس الذي أرساه الله.
22. عندما يدخل عاشق حقيقي لله إلى حانة، فإنها تصبح غرفة صلاته، لكن عندما يدخل شارب الخمر إلى الغرفة نفسها، فإنها تصبح خمارته. ففي كل شيء نفعله قلوبنا هي المهمة، لا مظاهرنا الخارجية. فالصوفيون لا يحكمون على الآخرين من مظهرهم أو من هم، وعندما يحدق صوفي في شخص ما، فإنه يغمض عينيه ويفتح عينًا ثالثة "العين التي ترى العالم الداخلي".
23. ما الحياة إلا دين مؤقت، وما هذا العالم إلا تقليد هزيل للحقيقة. والأطفال فقط هم الذين يخلطون بين اللعبة والشيء الحقيقي. ومع ذلك، فإما أن يفتتن البشر باللعبة، أو يكسروها بازدراء ويرمونها جانبًا. في هذه الحياة تحاشى التطرف بجميع أنواعه، لأنه سيحطم اتزانك الداخلي.
24. يتبوأ الإنسان مكانة فريدة بين خلق الله، اذ يقول عز وجل: "ونفخت فيه من روحي". فقد خلقنا جميعًا، ومن دون استثناء لكي نكون خلفاء الله على الأرض. فاسأل نفسك، كم مرة تصرفت كخليفة له، هذا إن فعلت ذلك؟ تذكر أنه يقع على عاتق كل منا اكتشاف الروح الإلهية في داخله حتى يعيش وفقها.
25. إن جهنم تقع هنا والآن، وكذلك الجنة. توقفوا عن التفكير بجهنم بخوف أو الحلم بالجنة، لأنهما موجودتان في هذه اللحظة بالذات. ففي كل مرة نحب، نصعد إلى السماء. وفي كل مرة نكره، أو نحسد، أو نحارب أحدًا، فإننا نسقط مباشرة في نار جهنم.
26. إن الكون كائن واحد. ويرتبط كل شيء وكل شخص بشبكة خفية من القصص. وسواء أدركنا ذلك أم لم ندرك، فإننا نشارك جميعًا في حديث صامت. لا ضرر ولا أضرار. كن رحيمًا. ولا تكن نمامًا، حتى لو كانت كلماتك بريئة، لأن الكلمات التي تنبعث من أفواهنا، لا تتلاشى بل تظل في الفضاء اللانهائي إلى ما لانهاية، وستعود إلينا في الوقت المناسب. إن معاناة إنسان واحد تؤذينا جميعًا، وبهجة إنسان واحد تجعلنا جميعًا نبتسم.
27. يشبه هذا العالم جبلًا مكسوًا بالثلج يردد صدى صوتك. فكل ما تقوله، سواء أكان جيدًا أم سيئًا، سيعود إليك على نحو ما لذلك. إذا كان هناك شخص يتحدث بالسوء عنك، فإن التحدث عنه بالسوء بالطريقة نفسها يزيد الأمر سوءًا. وستجد نفسك حبيس حلقة مفرغة من طاقة حقودة. لذلك، انطق وفكر طوال أربعين يومًا وليلة بأشياء لطيفة عن ذلك الشخص. إن كل شيء سيصبح مختلفًا في النهاية، لأنك ستصبح مختلفًا في ذاتك.
28. إن الماضي تفسير والمستقبل وهم، إن العالم لا يتحرك عبر الزمن وكأنه خط مستقيم، يمضي من الماضي إلى المستقبل، بل إن الزمن يتحرك من خلالنا وفي داخلنا، وفي لوالب لانهاية لها. إن السرمدية لا تعني الزمن المطلق، بل تعني الخلود. فإن أردت اختيار النور الأبدي، فعليك أن تخرجي الماضي والمستقبل من عقلك وتظلي داخل اللحظة الراهنة.
29. لا يعني القدر أن حياتك محدودة بقدر محتوم. لذلك، فإن ترك كل شيء للقدر، وعدم المشاركة في عزف موسيقى الكون دليل على جهل مطلق. إن موسيقى الكون تعم كل مكان وتتألف من أربعين مستوى مختلف. إن قدرك هو المستوى الذي تعزفين فيه لحنك. فقد لا تغيرين آلتك الموسيقية بل تبدلين الدرجة التي تجيدين فيها العزف.
30. إن الصوفي الحق هو الذي يحتمل بصبر، حتى لو اتهم باطلًا، وتعرض للهجوم من جميع الجهات، ولا يوجه كلمة نابية واحدة إلى أي من منتقديه. فالصوفي لا ينحي باللائمة على أحد فكيف يمكن أن يوجد خصوم أم منافسون أو حتى "آخرون" في حين لا توجد "نفس" في المقام الأول؟ كيف يمكن أن يوجد أحد يلومه في الوقت الذي لا يوجد فيه إلا "واحد"؟
31. إذا أردت أن تقوي إيمانك، فيجب أن تكون لينًا في داخلك لأنه لكي يشتد إيمانك، ويصبح صلبًا كالصخرة، يجب أن يكون قلبك خفيفًا كالريشة. فإذا أصبنا بمرض، أو وقعت لنا حادثة، أو تعرضنا لخسارة، أو أصابنا خوف، بطريقة أو بأخرى، فإننا نواجه جميعًا الحوادث التي تعلمنا كيف نصبح أقل أنانية وأكثر حكمة وأكثر عطفًا، وأكثر كرمًا، ومع أن بعضنا يتعلم الدرس ويزداد رقة واعتدالًا، يزداد آخرون قسوة. إن الوسيلة التي تمكنك من الاقتراب من الحقيقة أكثر، تكمن في أن يتسع قلبك لاستيعاب البشرية كلها، وأن يظل فيه متسع لمزيد من الحب.
32. يجب ألا يحول شيء بين نفسك وبين الله، لا أئمة، ولا قساوسة ، ولا أحبار، ولا أي وصي آخر على الزعامة الأخلاقية أو الدينية، ولا السادة الروحيون، ولا حتى إيمانك. آمن بقيمك ومبادئك، لكن لا تفرضها على الآخرين، واذا كنت تحطم قلوب الآخرين. فمهما كانت العقيدة الدينية التي تعتنقها، فهي ليست عقيدة جيدة.
33. على الرغم من أن المرء في هذا العالم يجاهد ليحقق شيئًا ويصبح شخصًا مهمًا، فإنه سيخلف كل شيء بعد موته. إنك تهدفين إلى بلوغ المرحلة العليا من العدم. عيشي هذه الحياة خفيفة وفارغة مثل الرقم صفر. إننا لا نختلف عن أصيص الزرع فليست الزينة في الخارج، بل الفراغ في داخلنا هو الذي يجعلنا نقف منتصبي القامة. مثل هذا تمامًا، فالوعي بالعدم وليس ما نتطلع إلى تحقيقه، هو الذي يبقينا نواصل الحياة.
34. لا يعني الاستسلام أن يكون المرء ضعيفًا أو سلبيًا، ولا يؤدي إلى الإيمان بالقضاء والقدر أو الاستسلام، بل على العكس تمامًا. إذا تكمن القوة الحقيقية في الاستسلام "القوة المنبعثة من الداخل". فالذين يستسلمون للجوهر الإلهي في الحياة، يعيشون بطمأنينة وسلام حتى عندما يتعرض العالم برمته إلى اضطراب تلو الاضطراب.
35. في هذا العالم، ليس الأشياء المتشابهة أو المنتظمة، بل في المتناقضات الصارخة، هي ما يجعلنا نتقدم خطوة إلى الأمام ففي داخل كل منا توجد جميع المتناقضات في الكون، لذلك يجب على المؤمن أن يلتقي بالكافر القابع في داخله، وعلى الشخص الكافر أن يتعرف على المؤمن الصامت في داخله. وإلى أن نصل إلى اليوم الذي يبلغ فيه المرء مرحلة الكمال، مرحلة الإنسان المثالي، فإن الإيمان ليس إلا عملية تدريجية، ويستلزم وجوده نظيره: الكفر.
36. لقد خلُق هذا العالم على مبدأ التبادل، فكل امرئ يكافأ على كل ذرة خير يفعلها، ويعاقب على كل ذرة شر يفعلها. لا تخف، من المؤامرات، أو المكر، أو المكائد التي يحيكها الآخرون. وتذكر أنه إذا نصب لك أحدهم شركًا، فإن الله يكون قد فعل ذلك. فهو المخطط الأكبر. إذا لا تتحرك ورقة شجرة من دون علمه آمن بذلك ببساطة بصورة تامة. فكل ما يفعله الله، يفعله بشكل جميل.
37. إن الله ميقاتي دقيق. إنه دقيق إلى حد أن ترتيبه وتنظيمه يجعلان كل شيء على وجه الأرض يتم في حينه، لا قبل دقيقة ولا بعد دقيقة. والساعة تمشي بدقة شديدة بالنسبة للجميع بلا استثناء فلكل شخص وقت للحب ووقت للموت.
38. وحتى لو كان قد تبقى من حياتك يوم واحد يشبه اليوم الذي سبقه، فإن ذلك يدعو للرثاء. ففي كل لحظة، ومع كل نفس جديد يجب على المرء أن يتجدد ويتجدد ثانية. ولا توجد إلا وسيلة واحدة حتى يولد المرء في حياة جديدة وهي أن يموت قبل الموت.
39. مع أن الأجزاء تتغير، فإن الكل يظل ذاته، لأنه عندما يغادر لص هذا العالم، يولد لص جديد، وعندما يموت شخص شريف يحل مكانه شخص شريف آخر. وبهذه الطريقة لا يبقى شيء من دون تغيير، بل لا يتغير شيء أبدًا أيضًا.
40. لا قيمة للحياة من دون عشق. لا تسأل نفسك ما نوع العشق الذي تريده، روحي أم مادي، إلهي أم دنيوي، غربي أم شرقي، فالانقسامات لا تؤدي إلا إلى المزيد من الانقسامات. ليس للعشق تسميات ولا علامات ولا تعاريف. إنه كما هو، نقي وبسيط.

*** *** ***

الجمعة، 20 يناير 2012

هل سينجو صالح من فخ معارضيه..؟



ساندرا ايفانس :
19 يناير 2012

قبل يومين من هبوط طائرة مبعوث الأمم المتحدة في مطار صنعاء الدولي، دفع البنتاغون بإحدى بوارجه الحربية في قاعدة "دييغة غارسيا" في المحيط الهندي باتجاه خليج عدن..
كان ذلك سيفهم كتهديد لأطراف الأزمة اليمنية، أو في ضوء تقرير متزامن بثه موقع "المارينز" عن تزايد أعمال القرصنة البحرية، لولا معلومات كشفها السيناتور "جون ماكين" عن زيارات سرية إلى صنعاء قام بها قائد قوات مكافحة الإرهاب الأمريكية المرابطة في "جيبوتي" وتلميحه إلى "وجبة دسمة" تطبخها واشنطن مع أطراف يمنية "متعاونة" تتعلق بملف تنظيم القاعدة في اليمن.
رغم أن ذلك لم يبد استثنائياً مع وضع اليمن المضطرب سياسياً وامنياً، لكنه في الرواق الخلفي للبيت الأبيض مثل تحركاً استثنائياً مدفوعاً بتعاظم قلق الإدارة الأمريكية من فشل محتمل للتسوية السياسية بين نظام الرئيس صالح وتحالف المعارضة.. فالحزب الديمقراطي استهل اجتماع بداية ديسمبر بتحذير من "إشارات" لوكالة الاستخبارات المركزية عن "تكتيكات جديدة" للإسلاميين في اليمن تنبئ بفوضى قادمة، وأبدى خشيته من صعود سريع للجماعات الجهادية على مسرح الأحداث، وانعكاس ذلك على نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية..
تكاد آراء المحللين في أغلب الصحف الأمريكية الكبيرة تتفق على عدم استعداد إدارة أوباما لأي تدخل عسكري واسع في اليمن، لكنهم شبه واثقين بأن واشنطن تلعب باوراق "رابحة" مع بعض أطراف الأزمة اليمنية بحثاً عن فرصة مضمونة لإحراز نصر نوعي على تنظيم القاعدة قبل انفجار الفوضى المحتملة- على غرار قتلها الداعية الأمريكي من اصول يمنية "انور العولقي" الذي يعتقد أن "ضابط كبير قام باستدراجه باتفاق مع الأمريكيين.
حتى الآن لم يسرب الأمريكيون أي معلومات عن "التكتيكات الجديدة" التي تقلقهم، لكن في أروقة وزارة الخارجية الألمانية كان هناك من يساوره قلق مماثل إلى حد ما من حملات تحريض منظمة ضد الاتفاقية الخليجية، وكذلك للانتقام من النظام وأركانه، وأن الإسلاميين ينشرون مئات الدعاة وخطباء المساجد لهذا الغرض.
أحد الدبلوماسيين الألمان أخبرني بأن زعيم أحد الأحزاب الليبرالية في تحالف المعارضة سرب معلومات لسفير الاتحاد الأوروبي بصنعاء  عن "خطة" للإسلاميين تبدأ بالتهيئة النفسية للمحتجين بنزعة الانتقام، وتنتهي عشية يوم الاقتراع للانتخابات الرئاسية في فبراير القادم بإطلاق أيديهم لتفجير ثورة انتقامية من النظام وأركانه، بعد أن يكون "صالح" فقد صفته وحصانته كرئيس لليمن.
ويعتقد هذا الدبلوماسي أن السيد "جمال بن عمر" ارتكب خطأ بعدم مطالبة القادة المعارضين الذين وقعوا الاتفاقية الخليجية بتحديد القوى التي يمثلونها من اجل تقييم مدى تنفيذهم الاتفاقية.. ويقول: أن هذه الثغرة ستقود المساعي الدولية للفشل كون التقييم الحالي ينظر إلى التزام الأشخاص الموقعين وليس التنظيمات التي يمثلونها..!
يبدو أن واشنطن لا تثق بنوايا المعارضين اليمنيين، ولا تتوقع أن يتخلى الإسلاميون والفصائل القبلية عن مراهناتهم على العنف، لذلك هناك حديث في عدة أوساط أمريكية حول رغبة أمريكية شديدة لبقاء أقرباء الرئيس صالح الذين يتزعمون وحدات عسكرية وأمنية في مناصبهم، خوفاً أن لا يجد نائب الرئيس عبد ربه منصور من يدعم خططه في التصدي للمتطرفين، والحفاظ على استقرار اليمن.

لكن منذ توقيع الاتفاقية الخليجية والشباب في ساحات الاحتجاجات يتظاهرون يومياً للمطالبة بمحاكمه "صالح" وأقربائه، وهم يقولون في قناة "الجزيرة" إن قادة احزابهم تعرضوا لضغوط دولية أجبرتهم على توقيع الاتفاقية، إلاّ أنهم لا يتحدثون عن نوع هذه الضغوط، أو ربما لا يعرفون شيئاً عنها..فقادة المعارضة رفضوا بداية العام العروض المغرية التي قدمها "صالح" لهم، لكنهم وافقوا مع نهاية العام على توقيع اتفاقية أقل إغراء بكثير من كل العروض السابقة..
البروفسور "أدولف بريختمان" الذي يعد دراسة لمؤسسة "جيمس تاون" عن الثورات العربية، قال أن قرار مجلس الامن الدولي (2014) منح الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وصاية على اليمن، وفوضها بالتدخل بشئونه، لأن هذه الدول هي التي تمتلك اوراق الضغط على النظام والمعارضة.
ويعتقد "بريختمان": أن معظم قادة المعارضة المتحكمين- مالياً وسياسياً- بساحات الاحتجاجات متورطون بقضايا الإرهاب وتجارة الأسلحة وتهريبها إلى بلدان خاضعة للحظر الدولي، وقضايا غسل أموال، وفساد مالي بجانب تورط بعضها بالتدبير لاغتيال "صالح" بتفجير مسجد كان يصلي فيه..وهذه القضايا يستخدمها الأمريكيون والأوروبيون لإملاء أوامرهم على قادة المعارضة.. فالخوف من مجلس الأمن هو خوف من ملفات شخصية يمكن للغرب استغلالها لاصدار مذكرات اعتقال دولية مماثلة لما صدر بحق الرئيس السوداني ووزير دفاعه.
حديث "بريختمان" ذكرني بمقطع فيديو شاهدته أواخر مارس الماضي في صفحة شباب ثورة اليمن على فيسبوك، وظهر فيه داعية إسلامي محاط بآلاف الشباب المحتفلين بانضمامه لثورتهم وكانوا يتدافعون للوصول إليه كما لو كان ملاكاً مقدساً.. لقد صعقت عندما أخبروني أنه "عبد المجيد الزنداني" المطلوب للولايات المتحدة بتهمة تمويل وتجنيد الارهابيين، وكان من قبل زعيماً للمجاهدين الأفغان، ثم أصبح رئيس جامعة الإيمان التي تنشر التطرف.. من يومها عرفت أن ما يحدث في اليمن ليس ثورة!!
عدة مسئولين أمريكيين اخبروني أن نفس الفيديو صعق البيت البيض أيضاً، وأن وكالة الأمن القومي عقدت مساء نفس اليوم اجتماعاً طارئاً لمناقشة الموضوع. فالأمريكيون كانوا متفاجئون أنهم يدعمون ثورة تقدس رؤوس صناعة الإرهاب في المنطقة..
قال أحد المسئولين الأمريكيين أن لديهم معلومات مؤكدة أن "الزنداني" ومعه "الجنرال علي محسن" كانا وراء تجنيد الإرهابيين وإرسالهم للعراق. وإن اثنين من أحفاد "الزنداني" شاركا في العمليات الإرهابية بالعراق، وأحدهم انتحر بحزام ناسف وسط المدنيين في "الرمادي"وهو إبن ابنته "عائشة" مديرة قسم النساء في جامعة الإيمان، وإحدى أبرز المسئولات عن جمع التمويلات للقاعدة عبر حفلات خيرية تحضرها زوجات الدبلوماسيين العرب وكبار رجال الأعمال والشيوخ في اليمن.
"الزنداني" ليس وحده في ساحة الثورة بل أن نجل "محمد المؤيد" الذي كان معتقلاً في أمريكا بتهمة تمويل الإرهاب يشغل مركز مدير لجان تنظيم الساحات.. و"عبد الله صعتر" المطلوب لأمريكا منذ 2004م بتمويل الارهاب وحكم على سائقه "نعمان المفلحي" بخمسة سنوات سجن هو الإمام الديني للثوار في صنعاء.. بينما الجنرال "علي محسن الأحمر" الذي يوصف بحاضن الجماعات الجهادية هو مسئول أمن ساحات الثورة.. وهناك العشرات من قادة التطرف اتضح انهم يقودون ثورة اليمن، بينهم زوجة زعيم قبلي بارز جداً تعمل في جامعة الزنداني ايضاً وتتولى مسئولية قيادة ساحة نساء الثورة..!!
إن تفشي الفقر والجهل وضع مصير اليمنيين بأيدي شريحة انتهازية من كبار الفاسدين في السلطة والمعارضة الذين يحركون بثرواتهم الطائلة ونفوذهم الساحة الشعبية ضد كل من يمس مصالحهم. فعندما بدأت اليمن عام 2006م بإنشاء هيئة عليا لمكافحة الفساد تحرك الفاسدون بالسلطة والمعارضة لدعم حركة انفصالية جنوب البلاد ثم فوضى في شمالها. وعندما اشعل الشباب ثورتهم ضد النظام في أول فبراير الماضي من أجل بناء دولة مدنية تحرك نفس لوبي الفاسدين إلى ساحات الثورة وأفسدوها وأسقطوها، وجعلوا أنفسهم أمام العالم هم قادة الثورة، وكان هذا من أكثر أحداث اليمن المثيرة للسخرية!
أحد الناشطين في منظمة (رند) الأمريكية قدر النفقات الشهرية التي يصرفها لوبي الفاسدين على ساحات الاحتجاجات بحوالي (15) مليار ريال يمني (قيل لي أن الدولار يساوي 228 ريال) يعني خلال 12 شهراً يصبح الإجمالي (180) مليار ريال. هذه ثروات طائلة جداً قياساً إلى مستوى فقر اليمن قد تظهر حجم إمكانيات لوبي الفاسدين على شراء كل شيء في اليمن من أجل حماية نفسه. لذلك لا أتوقع استقرار اليمن قريباً، لأن من يملكون المال نادراً ما يتفقون مع بعضهم البعض، وسيتجه كل منهم لدعم فصيل.
يقول سياسيون جنوبيون لاجئون في ميونيخ أن "صالح" أصر على الضمانات الدولية لتوقيع الاتفاقية الخليجية لأنه يتوقع أن التحالف الاسلامي القبلي لديه مخططات لن يصلها إلاّ بإشعال حرب أهلية. ويتفقون مع "صالح" في هذا الرأي فقط، حيث يعتقدون أن الاسلاميين والقبليين يسعون لمواصلة نهب ثروات الجنوب النفطية ومنع الجنوبيين من الاستقلال، وهذا لن يحدث إلاّ إذا بالحرب لأنهم لديهم فرقة جيش مدرعة وفصائل من المتطرفين الجهاديين!
ورغم أن البروفسور "بريختمان" يعتقد أن التعبئة للشباب من قبل الاسلاميين والقبليين قد تقود لأعمال انتقامية واسعة لكن من السهل للمجتمع الدولي تحديد القادة المسئولين عنها وإدانتهم وإجبارهم على السيطرة عليها، إلاّ أنني ما زلت مصرة بأن الوساطة الدولية تفتقر للتوازن وبعد النظر. فهم لم يعترفوا بقضية الجنوب ولا قضية الشيعة في الشمال رغم أن كلا القضيتين لهما امتداداتهما الإقليمية.. ولا أستبعد أبداً أن يكون ذلك مقصوداً لتحقيق مشروع تقسيم اليمن مستقبلاً.
في الوقت الحاضر،أرى مؤشرات تؤكد أن التحالف الإسلامي القبلي يسعى لاستدراج "صالح" إلى فخ الانتقام. فالمبالغة بالتصريحات الحميمة من قبل خصوم "صالح" في الحكومة ليست إلاّ محاولة لطمأنته وأركان نظامه وإغرائه بالبقاء داخل اليمن وعدم السفر إلى الولايات المتحدة.. فهم يعلمون أن الانفصاليين الجنوبيين والحوثيين سيقاطعون الانتخابات الرئاسية، ومعهم أيضاً قواعدهم الحزبية في ساحات الاحتجاجات الذين يحرضونهم يومياً على الانتقام..إذن من سينتخب الرئيس البديل لـ"صالح"..!؟

إن هذا الوضع يؤكد المعلومات التي تم تسريبها لسفير الاتحاد الأوروبي بصنعاء حول تخطيط خصوم "صالح" للدفع بقواعدهم عشية الانتخابات الرئاسية إلى الشوارع لمهاجمة المقرات الرئاسية والحكومية والانتقام من "صالح" وأقربائه وأنصارهم بحجة إنتهاء حكمه وفشل بديله المرشح "عبد ربه منصور" في الحصول على النسبة القانونية!

ما يحدث في اليمن شيء غير معقول إطلاقاً وقد يقود اليمنيين إلى الهلاك. فالاتفاقية الخليجية التزم بها نظام "صالح" لكن من الجانب الآخر لم يلتزم سوى ستة أشخاص هم قادة الأحزاب الذين وقعوا على الاتفاقية بينما مساعديهم وكل قواعدهم موجودون في ساحات الاحتجاجات يعلنون أنهم ضد الاتفاقية ويتوعدون بالانتقام.. وهذا شيء خطير!

إن المخرج الوحيد الذي قد يفشل مخطط فوضى الانتقام هو أن يغادر "صالح" اليمن بأسرع وقت كي لا يجدوا خصومه سبباً لاشعال الفوضى.. وأعتقد أن هذا الحل يحرج خصوم "صالح" أمام قواعدهم ويظهرهم كمهزومين، لكن هؤلاء القادة لا يهمهم الاحراج بقدر ما يهمهم إقرار البرلمان لقانون الحصانة لأنه ينقذ كبار قادتهم من المساءلة القانونية سواء عن تورطهم بحادث تفجير دار  الرئاسة، أو بقضايا متعلقة بانتهاكات مارسوها ضد الشباب الثوار، أو المساءلة بشأن جرائم فساد جمعوا منها ثرواتهم الطائلة. فعادة مثل هذه الملفات يجري فتحها بمجرد حدوث التغيير واستقرار الأوضاع السياسية، وربما تعلموا الدرس من أحداث الثورة المصرية.
 السياسيون الجنوبيون في ميونيخ يعتقدون أن بلادهم في طريقها للانهيار، ويقولون أن التحالف الاسلامي القبلي الشمالي سوف يستخدم تنظيم القاعدة لتفجير الأوضاع إن عجزوا عن تفجيرها سياسياً، ويدعمون رأيهم بأن هذا التحالف لا يهتم للتهديدات الدولية لأنهم واثقون أن الولايات المتحدة لا تجرؤ على التورط في حرب معهم داخل اليمن.
ويؤكدون أن المشائخ من آل الأحمر وقائد الفرقة المدرعة المنشق والزعماء الاسلاميين يرفضهم اليمنيون جميعاً، وإذا حسمت الأزمة بطريقة ديمقراطية فإنهم سيكونون أول من يطالب الشعب بمحاكمتهم على جرائمهم ونهب ثروات البلاد. لذلك فهم يبحثون عن أي وسيلة لتفجير الحرب الأهلية والفوضى داخل اليمن، لأن ذلك يضمن لهم البقاء في مراكز زعامية..!
ويقول هؤلاء السياسيون الجنوبيون أن قائد الفرقة المنشق- الجنرال علي محسن الأحمر- لن يفوت فرصة الاستعانة بأتباعه في تنظيم القاعدة ليتمكن من تعميم الفوضى ومن ثم إعادة تقديم نفسه وقواته كمنقذين للبلد، من خلال تعهده بالقضاء عليهم..!
وهذا يعني أن مستقبل حكم اليمن سيؤول لأيدي مجلس عسكري برئاسة الجنرال محسن- وهو ما لن تعارضه الولايات المتحدة طالما الأمر متعلق بالقضاء على القاعدة. فاليمن بلد يطوقه البحر من جهتين وشريط حدودي طويل مع السعودية بإمكانها إغلاقه لو أرادت ذلك.. إلاّ إن مثل هذا السيناريو سيكلف اليمنيين أرواحاً كثيرة، ويضعنا أمام سؤال أقرب إلى اللغز: هل تقود الولايات المتحدة لعبة منفردة مع الجنرال محسن بمعزل عن جميع القوى الأخرى..؟ وهل سيكون السماح بالفوضى والإرهاب هو كلمة سرّ واشنطن لتقسيم اليمن بإطلاق أيدي الانفصاليين الجنوبيين والحوثيين لفرض سلطاتهم على مناطقهم!؟
يعتقد قسم من اليمنيين أن قادة المعارضة المناوئة لـ"صالح" لا ينوون تفجير الأوضاع، وأنهم يستخدمون المحتجين المرابطين في الساحات- فقط- كورقة ضغط سياسية.. لكنني أشك في هذا الرأي كثيراً حيث أن الأحداث في اليمن لا تحركها أطراف سياسية وإنما الأقطاب المسلحة ذات القوة والمال كالاسلاميين المتشددين والزعماء القبليين، لذلك أتوقع أن شهر فبراير سيبدأ صاخباً بأحداث مثيرة جداً.. وحتماً أن اليمنيين سينسون يوم الرابع عشر من فبراير شراء الزهور لزوجاتهم وصديقاتهم وتهنئتهن بعيد الحب..!!  

الأربعاء، 19 أكتوبر 2011

المرأة والقمم العربية




بقلم : فرانسوا باسيلي  (كاتب مصري- الولايات المتحدةfbasili@gmail.com )


يجتمع القادة العرب دائما دون ان تكون بينهم امرأة واحدة.
فقادة العرب اليوم كلهم رجال فى عصر رأينا فيه المرأة تتبوأ مكانها حاكمة وزعيمة لبلاد كثيرة..اسلامية وغربية وشرقية.. من بنازير بوتو فى الباكستان وانديرا غاندى فى الهند الى اوكينو فى الفلبين ومارغريت تاتشر فى بريطانيا.. هذا إذا تغاضينا.. لعدم الاحراج.. عن غولدا مائير فى اسرائيل. أما فى بلادنا العربية التى لا نكف فيها عن التشدق بالوضع المميز للمرأة فلن تجد لهذة المرأة وجودا فى أية قمة عربية منذ بدايتها والى اليوم.. هذا على الرغم من ان التاريخ العربى يحكى لنا عن عدد لا باس به من الملكات الحاكمات اللاتى كان لهن شأن ومجد.. بل قد تشعر بالخجل اذا رجعنا الى ما يزيد عن الثلاثة آلاف عام لنجد ان المرأة فى مصر القديمة كان لها شأن عظيم و انها كانت تقف الى جوار زوجها فى مساواة و عزة.. وانها تقلدت حكم مصر بنجاح عظيم.. من الملكة حتشبسوت الى الملكة كليوباترا.
بل يمكننا الرجوع الى عهد اكثر قربا هو القرن الثالث عشر الميلادى لنرى كيف ان "شجرة الدر" كانت ملكة عظيمة حكمت مصر كاخر ملوك الدولة الايوبية واول عهد سلاطين المماليك. و فى عهدها كان قد بدا زحف المغول من اواسط اسيا على البلاد الا سلامية للاستيلاء عليها واذلالها.. واستمر زحفهم حتى استولوا على الكثير من البلاد الاسلامية و توغلوا فيها يفتكون ويهتكون ويسفكون الدماء حتى اوشكوا ان يبلغوا حدود مصر بعد ان قطعوا اليها الالاف من الاميال.. ثم كانت هزيمتهم الساحقة الماحقة على يد الجيش المصرى فى موقعة عين جالوت بفلسطين بعد وفاة شجرة الدر بامد قليل فلم تقم لهم قائمة بعد هذة الهزيمة التى لم ينهزموا قبلها قط. وهكذا يسجل التاريخ لامرأة حكمت مصر انتصارات لم يحققها الكثير من الرجال.
هل يمكن ان تحقق المرأة العربية نتائج اسوا مما حققه الحكام العرب فى نصف القرن الاخير؟
اما آن الاوان ان تحضر “شجرة در“ جديدة احدى هذه القمم العربية؟

المرأة هي الحياة
كانت المرأة دائما وستظل هي الهاجس الاول للرجل، والموقدة الاولى لجذوة الحياة في نفسه وجسده معا. ولم يفهم الرجل المرأة أبدا, فهي في نظره دائما لغز بلا مفتاح, وربما كان هذا أحد جوانبها السحرية التي تشده اليها. ولأنه لا يفهمها , في نفس الوقت الذي هو أسير لها، فقد تطوح موقفه منها من النقيض للنقيض، فقد رآها ووضعها فوق قاعدة تمثال باعتبارها ملهمة وساحرة وحورية وأما للطبيعة وللكون والآلهة، وباعثة لعرائس الاحلام وللشعر والالهام والحب والجمال والخيال.
وفي النقيض الآخر، ولأنه لا يفهمها، راح ايضا يراها في صورة الشيطانة الماكرة صاحبة الكيد العظيم والاحاييل والاقاويل, ناصبة الشراك والفخاخ له ليسقط فيها, صانعة الغواية التي أخرجته من الجنة والنعيم وألقته على ارض التعب والدموع, وهي صانعة السحر الشريرة الشيطانية الالاعيب، القادرة على اسقاط أعتى الرجال وأعظم الاباطرة وأقوى القياصرة ليصبحوا خواتم في اصابعها بعد أن تسلبهم قوتهم كما فعلت دليلة بشمشون الجبار, وما هو سوى تكرار ابدي لما فعلته حواء بآدم.
وسلاح المرأة الذي يرعب الرجل ويرهبه هو جسدها, ذلك الكيان الفذ ذو القدرة اللامحدودة على الاغراء والغواية, وعلى اثارة أعمق وأشد المشاعر في الرجل, عاصفة بهدوئه وسلامة نفسه وقدرته على الانضباط, مثيرة فيه مشاعر التأجج والتوقد وباعثة فيه الرغبة في الحياة والبقاء.
انه سر دفين عجيب ذلك الذي يخفيه ويحتويه جسد المرأة فيحار ويذهل امامه الرجل ويتطوح في دفاعه عن نفسه امامه بين أقصى نقيضي العبادة والتقديس, واللعن والتحقير والعنف والتحجيم, في مسلسل لا ينتهي من المحاولات اليائسة للتحرر من سحر المرأة وسلطانها, والرغبة في السيطرة عليها وامتلاكها واخضاعها.
وقد لجأ الرجل على مر التاريخ الى موقفين أساسيين تجاه المرأة يعكسان موقفه تجاه الحياة. كان الموقف الاول – وهو الاكثر شيوعا- هو الموقف المعادي للمرأة المرتعب منها كتعبير عن رعبه من الحياة وخوفه من معاناتها. ويؤدي هذا الموقف المعادي (للمرأة – الحياة ) الى هروب الرجل من المرأة –الحياة عن طريق التوحد أو التدين المفرط أو الرهبنة لدى البعض, او الى المواجهة المرتعبة العنيفة ضد المرأة وشياطينها التي تتلبسها ومحاولة السيطرة عليها والحد من سطوتها بتجريدها من أسباب القوة وتكبيلها بقيود اجتماعية قبلية وتفسيرات متزمتة لنصوص دينية تحرمها بها من حقوق المساواة وتضعها في موضع سفلي ضعيف , ويكون ذلك عن طريق تشويهها نفسيا بوصفها بأنها شيطانة أو مخبولة أو ناقصة عقل أو عاطفية لا تملك التحكم في نفسها, وفي نفس الوقت عن طريق تشويه جسدها (الملعون) المليء بالشياطين بوصفه بأنه مبعث الخطيئة لدى الرجل وانه الاثارة مجسدة وانه الوعاء الفعلي لشرف الرجل، في نفس الوقت الذي هو – جسد المرأة – ليس سوى عورة لا تقع عليها عين الرجل الا ويسقط في الخطيئة ولذلك يجب تقميطه وحجبه عن العيون وحبسه داخل جدران البيوت اذا أمكن.
بينما كان الموقف الآخر هو موقف الرجال المحبين للحياة في شغف وقوة ولذلك كانوا دائما مقبلين على المرأة يرغبونها ويشغفون بها ويكتبون فيها الشعر ويغنون لها الاغاني ويسافرون لها قاطعين الوديان والجبال مقتحمين من أجلها الحصون والقلاع. كان هؤلاء هم فرسان الحياة وعشاقها من المغامرين والشعراء والفنانين والمبدعين والكتاب والمارقين الشجعان شذاذ الآفاق في كل مكان وزمان. هؤلاء رأوا في المرأة كل ما في الحياة من اثارة ودهشة وسحر وألغاز وغرائز وسمو وشموخ وبهاء وجمال باهر مثير لإرادة البقاء وحب الحياة.
وقد عبر هؤلاء عن موقفهم من المرأة – الحياة تعبيرا فنيا, اي استطاعوا أن يفجروا مشاعرهم المتلاطمة المتوهجة تجاه المرأة –الحياة في صورة ابداعات فنية في الكلمة والموسيقى والرقص والرسم والنحت والمسرح والسينما بل وفي الابداعات العلمية التي ما هي سوى تعبير آخر عن الفرح بالحياة والرغبة الطفولية الجميلة في فك اسرارها وامتلاك مكنوناتها المثيرة.
ولا شك أن هذا الموقف الثاني هو الذي استطاع أن يتخلص من الخوف البدائي القديم من المرأة ويحوله الى مشاركة مثيرة معها في صنع حضارة راقية بديعة.
ولا غرابة في أن المجتمعات التي ماتزال تنظر للمرأة تلك النظرة القديمة البدائية المرتعبة هي المجتمعات المتخلفة في كل شيء اليوم.
علاقة المرأة بالابداع الفني والعلمي وموقف الرجل –والمجتمع- من ذلك هو أمر بالغ الاهمية اذ هو أحد المفاتيح الاساسية لبوابات الحضارة. فما دامت المرأة هي الحياة، وما دامت هي ملهمة الابداع والمحفز عليه وما دام الفن هو لغة الرجل العاشق للحياة والمرأة ، يكون من المفهوم اذن معاداة السلفيين المتزمتين المتشددين دينيا للمرأة وللفن معا. فــ(الفن–الانثى) هو الوحش ذو الرأسين الاكثر ترهيبا وتخويفا للسلفيين المتزمتين ، فالسلفي – والمتشدد دينيا بشكل عام – يرهب الفن ويخافه بنفس درجة رهبته للحياة ورعبه من المرأة. وقد كان السلفي الكاثوليكي في العصور المظلمة باوروبا يرتعب من المرأة.. فنصب لها محاكم التفتيش واتهمها بالسحر والمروق والشعوذة والشيطنة وقام بحرق (شيطانها) – أي جسدها – الذي ترعبه فتنته وقوته وقدرته على ولادة الحياة بداخله.
والسلفي المتأسلم لديه نفس الرعب من المرأة ومن الفن الذي يستوحيها ويحاكيهاويتدله فيها، فالفن- الانثى هو الصورة الاثيرية الروحية للمرأة – الجسد، وكلاهما يحمل قوة خرافية يراها السلفي مهددة لسلطانه وسطوته, وفاضحة لعنفه وضعفه, وهو ما عبر عنه نزار قباني في مقطعه المدهش المندهش: (وكيف يهدد نهد – بسن الطفولة - أمن الرجال – وأمن السماء!!)
ولذلك ليس غريبا أن نقرأ أن نواب الاخوان المسلمين في مجلس الشعب المصري في دورة ماضية قاموا بتقديم مساءلات ومشروعات قوانين حول مسائل مثل منع مسابقات الجمال في شرم الشيخ لأنها تظهر جسد المرأة، أو منع عمل روائي أو سينمائي يقدم المرأة بشكل متحرر سواء كان نفسيا أو جسديا ، فالوحش ذو الرأسين – المرأة والفن – هو أول أولويات الفكر السلفي.
ذلك أن السيطرة الكاملة على هذا الوحش ذي الرأسين هي مدخل السلفيين دائما الى السيطرة على المجتمع كله, ولا سطوة ولا سيطرة لهم الا عن طريق السيطرة على المرأة والفن، أي على جسد الامة وروحها المبدعة. فالفن الجميل الحر, مثله مثل المرأة الجميلة الحرة, هو تحد مباشر وتهديد خطير لسيطرة السلفي على ألاخرين, اذ ان مجرد وجود الفن الحر, ومجرد وجود المرأةالحرة, هو تمرد على تزمت وأغلال التفسيرات النصية الجامدة لصالح المقاصد الانسانية الرحيمة الواسعة.
لذا يبدأ السلفيون دائما بالسيطرة التدريجية على المرأة عن طريق تقميطها بأقماط تكاد أن تكون هي الاقماط التي استعملها قدماء المصريين لحفظ مومياءاتهم، ولكن قدماء المصريين كانوا يقمطون الجثث الهامدة , بينما كان الاحياء من المصريين –رجالا ونساء – يتمتعون بحرية انسانية باهرة، وتدلنا الدراسات على أن وضع المراة المصرية في مصر القديمة كان متقدما جدا، وتظهرها الرسومات الفرعونية منتصبة شامخة في ملابس متحررة تعكس جمالا جسديا وروحيا في آن واحد، ونعرف أن الفتاة المصرية القديمة، في فجر الانسانية كانت تكتب أشعار الحب الجميلة المتحررة توددا وعشقا في حبيبها.. ولدينا ترجمات هذه الاشعار، كما نعرف أن المرأة المصرية حكمت مصر بنفسها ووحدها أكثر من مرة، كما فعلت الملك حتشبسوت العظيمة.
كان هذا كله قديما جدا.. أما اليوم فالسلفيون يقومون بتقميط المرأة الحية, لكي يتحول جسدها الى جسد هامد خامل يخجل من نفسه ويتوارى بنفسه "وبعوراته" عن ألآخرين, فتخمد فيه فورة الحياة وأشواقها وتأججها وبهجتها، وفي نفس الوقت الذي تموت في الرجل حاسة تذوق الجمال واستثارة الآمال ، وهي التي تبعثها المرأة الجميلة الحرة بمجرد وجودها وبفورية وتلقائية حاسمة وحميمة.
لأن المرأة هي الحياة تسير على الارض ستظل المجتمعات العربية التي تعادي المرأة وتكبلها بالقوانين والعادات البدانية والنظرة الدونية والسيطرة الوحشية ،ستظل مجتمعات متخلفة روحا وجسدا وفكرا وحضارة.

ـــ منقول شفاف الشرق الأوسط تأريخ السبت 8 مارس 2008.