‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات .. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات .. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 7 يناير 2015

انضمام اليمن لمنظمة التجارة العالمية وتحديات المستقبل


أـ عبدالله يحيى العلفي
ورقة عمل قُدمت في ندوة جودة الوظيفة العامة ومقاييسها
مركز منارات : الثلاثاء 6 يناير 2014

مقدمة :
يتسم العالم اليوم بسرعة التطور في مختلف مجالات الحياة ، وبشكل اثر بصورة مباشر وغير مباشر على كافة المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ودفعها الى تغيير  سياساتها الادارية وتحسين ادائها حفاظاً على بقائها في عصر يهيمن عليه نظام عالمي اقتصادي ثقافي متغير لا مكان فيه الا لمن يجيد السباحة في اتجاه التيار الجارف. ولعل أهم الهياكل التي انجبها النظام العالمي الجديد إنشاء منظمة التجارة العالمية (WTO)، والذي من أهم مضامينه تحرير التجارة وسهولة حركة رؤوس الأموال وتحرير الاستثمار، وفتح الباب على مصراعيه أمام الاستثمار الأجنبي المباشر. 

الأحد، 14 سبتمبر 2014

الحفاظ على مدينة صنعاء القديمة

دراسة علمية للبروفيسور رونالد لوكوك 


 لحسن الحظ،  نظراً للفرصة التي أتاحها الاتراك لفصلهم المدينة الجديدة عن القديمة في القرن السادس عشر، وباعتبارهم كياناً سكانياً غريباً لم يستطع الاتراك الاندماج بسهولة مع الحياة المزدحمة في مركز المدينة القديمة حول سوق الملح.

لقد عاش الوالي التركي في قلعة (قصر السلاح) في طرف المدينة وخلق مركزاً للحياة التركية ببناء المقاهي والمساجد الجديدة على طول الشارع الجديد المشجر 

الجمعة، 7 مارس 2014

نص تقرير مجموعة الأزمات الدولية "ICG" بشان الحرب في عمران بين جماعة الحوثيين وال الأحمر


في أقصى شمال اليمن، تواجه اتفاقيات وقف إطلاق النار المتفرقة بين التيار الحوثي، المسمى "أنصار الله"، وخصومه العديدين خطر الانهيار. ينبغي أن تتخذ الحكومة اليمنية تدابير جريئة، بالتنسيق مع المجتمع الدولي، لمنع العودة إلى جولة جديدة من العنف من شبه المؤكد أن احتواءها سيكون أصعب من احتواء الجولة الأخيرة.
يأتي التهديد بتجدد العنف في لحظة حرجة من المرحلة الانتقالية في اليمن. بعد أن أكملت البلاد مؤتمر الحوار الوطني في كانون الثاني/يناير، بات لديها الآن مشروع لدولة فيدرالية جديدة ولإصلاحات ديمقراطية. إلاّ أن هذه الرؤية تبقى طموحاً في أفضل الأحوال في حين أن الأحداث على الأرض تتحرك في اتجاه مختلف. إذا تجدد القتال في الشمال، فإنه سيؤدي إلى تقويض تنفيذ مخطط الدولة الفيدرالية بشكل كبير وذلك بتقويض الإجماع السياسي وزعزعة سلطة الدولة الضعيفة أصلاً.
تصاعدت الجولة الأخيرة من القتال في تشرين الأول/أكتوبر 2013 عندما أحاط المقاتلون الحوثيون بمعهد "دار الحديث" في دماج، وهي مدينة في محافظة صعدة، حيث اتّهموا السلفيين هناك بتجنيد المقاتلين الأجانب والتحضير للقتال. السلفيون من جهتهم اتّهموا الحوثيين (الساعين لإحياء المذهب الزيدي الشيعي) بالعدوان غير المبرر ضد الطلاب المسالمين في المعهد الديني. سرعان ما انتشر القتال إلى سائر المحافظات الشمالية الخمس، من الحدود السعودية في كتاف إلى أبواب العاصمة اليمنية في منطقة أرحب.
في سياق المعارك الأخيرة، تبلورت جبهتان تربط أطراف كل منهما تحالفات غير وثيقة. من جهة، قام آل الأحمر، العائلة البارزة في تحالف قبائل حاشد القوي ـ بتجنيد ودعم المقاتلين السلفيين. ثمة مزاعم بأن هذا التحالف يحظى بدعم اللواء علي محسن الأحمر (الذي لا تربطه صلة قرابة بالعائلة) من خلال الموالين له في الجيش اليمني في محافظة عمران، وبشكل غير مباشر من قبل الحزب الإسلامي السني، الإصلاح، من خلال أفراده من أبناء القبائل. وعلى الجهة الأخرى هناك المقاتلين الحوثيين المخضرمين المتحالفين مع رجال القبائل الشمالية الساخطة والتي تعارض آل الأحمر والإصلاح، والذين يرتبط العديد منهم بحزب المؤتمر الشعبي العام و/أو مؤسسه، الرئيس السابق علي عبد الله صالح.
لقد حقق الحوثيون انتصارات؛ حيث إن اتفاق إطلاق النار الموقع في كانون الثاني/يناير في دماج، والذي يطالب المقاتلين السلفيين بالرحيل والانتقال مؤقتاً إلى صنعاء، كان نصراً واضحاً لهم. كما أن الحوثيين انتصروا في معركة كتاف، حيث أكملوا اكتساحهم لمحافظة صعدة. الأهم من ذلك، فإنهم اندفعوا جنوباً في عمران، حيث تحالفوا مع قبائل حاشد التي تشعر منذ وقت طويل بالإحباط إزاء هيمنة آل الأحمر. في شباط/فبراير، دمّروا أحد منازل عائلة الأحمر، فيما يرمز إلى إنهاء هيمنة العائلة التي استمرت عقوداً من الزمن على اتحاد قبائل حاشد. وفي أرحب، تمكنت القبائل المتحالفة مع الإصلاح من الصمود ليس أكثر
بعد شهور من القتال، فإن سيطرة الدولة ضعيفة في أقصى الشمال، هذا إذا كان لها أي سيطرة على الإطلاق. يدير الحوثيون شؤون مناطقهم، ويوفرون الأمن الذي لم تتمكن الدولة من توفيره حتى الآن. في حين يدّعي الحوثيون بأنهم سيسلّمون أسلحتهم الثقيلة وسيدعمون عملية الانتقال السياسي، فإن خصومهم تساورهم شكوك عميقة ويزعمون بأن المجموعة تسعى لتأسيس حكم رجال الدين في اليمن أو، في الحد الأدنى، تقليد نموذج حزب الله اللبناني بتشكيل دولة داخل الدولة.
لقد أثار الانتصار الحوثي في عمران مخاوف من أن المجموعة، التي اكتسبت مزيداً من الجرأة بفضل التقدم الذي حققته، ستحاول غزو صنعاء. وهذه مخاوف مبالغ بها بعض الشي .يتمتع الحوثيون أصلاً بنفوذ سياسي كبير في العاصمة، ومن شأن شن هجوم عليها أن يحدث أثراً عكسياً بتعريض الدعم الشعبي الذي يتمتعون به للخطر، وإلحاق الضرر بمكانتهم الدولية وإدخال الجيش، الذي ظل حتى الآن على الحياد ـ رسمياً على الأقل ـ في المعركة ضدهم. رغم ذلك، فإن جميع الأطراف مسلّحة في العاصمة، وقد لا تتصرف بشكل عقلاني تماماً إذا تجددت الصدامات.
مجموعتا المطالب هذه بحد ذاتها مرغوبة وتنسجم مع نتائج الحوار الوطني. إلاّ أن تحقيقها سيكون أبعد ما يكون عن البساطة؛ حيث إنها ستتطلب تصميم خطة عمل والالتزام بها ووضع آلية إشراف ترتبط بتقاسم السلطة السياسية وإصلاح القطاع الأمني على المستوى الوطني.
لقد اختار الرئيس عبد ربه منصور هادي، حتى الآن، وبحصافة، البقاء على الحياد لتجنب العمل العسكري الذي من شبه المؤكد أن يعقّد الأوضاع ويفاقم من حدة العنف. بدلاً من ذلك فقد أعلن دعمه للجان الرئاسية التي تفاوضت، ولو متأخرة، للتوصل إلى اتفاقيات وقف إطلاق النار، أولاً في دماج ومؤخراً في أرحب وحاشد (في محافظة عمران). إلاّ أن هذه الاتفاقيات تبقى مؤقتة ومحدودة بطبيعتها. إن السلام الشامل يتطلب أن تتحقق لكل طرف بعض المطالب الرئيسية: بالنسبة للحوثيين، حقهم في نشر أفكارهم الدينية بشكل سلمي، وتعبئة الأنصار والانخراط في النشاط السياسي؛ وبالنسبة لخصومهم، أن يسلّم الحوثيون أسلحتهم الثقيلة للدولة وأن يدفعوا بأجندتهم من خلال الممارسات السياسية الحزبية السلمية وحسب.
مجموعتا المطالب هذه بحد ذاتها مرغوبة وتنسجم مع نتائج الحوار الوطني. إلاّ أن تحقيقها سيكون أبعد ما يكون عن البساطة؛ حيث إنها ستتطلب تصميم خطة عمل والالتزام بها ووضع آلية إشراف ترتبط بتقاسم السلطة السياسية وإصلاح القطاع الأمني على المستوى الوطني.
خلال هذه الهدنة الهشة، ينبغي على الحكومة اليمنية والمجتمع الدولي أن يعملا بشكل حاسم لمنع تجدد العنف كخطوة أولى نحو التوصل إلى اتفاق سلام دائم. وهذا يتطلب عدة خطوات:
  • على الرئيس هادي أن يطلق فوراً مفاوضات يشرف عليها لتعزيز وقف إطلاق نار شامل في الشمال ووضع الأسس لاتفاقية سلام دائم. وينبغي أن تضم النقاشات جميع المعنيين وعلى مستويات رفيعة، بما في ذلك عبد الملك الحوثي، زعيم التيار؛ وأفراد عائلة الأحمر؛ وعلي محسن الأحمر وكبار قادة الإصلاح، والمؤتمر الشعبي العام والسلفيين
  • ينبغي أن تستند خطة السلام إلى اتفاقيات وقف إطلاق النار الحالية وأن تكون موجهة بنتائج الحوار الوطني، بما في ذلك مبادئ التمثيل السياسي الشامل، وحرية المعتقد الديني والنزع التدريجي لسلاح جميع الأطراف باستثناء الدولة.
  • على آل الأحمر، والإصلاح وعلي محسن أن يقبلوا صراحة بحق الحوثيين بالتعبير عن آرائهم الدينية والانخراط السلمي في الأنشطة السياسية.
  • ينبغي أن يوافق الحوثيون على برنامج متسلسل لتسليم الأسلحة الثقيلة للدولة، مع اتخاذ الدولة لخطوات متزامنة لضمان حيادية مؤسساتها، خصوصاً الأجهزة الأمنية. يمكن أن يتم إطلاق هذه العملية فوراً، بتنحية القادة العسكريين المثيرين للجدل، خصوصاً في عمران، وكذلك بتعيين محافظين أقل ارتباطا بالأحزاب في عمران والجوف كي يحلّوا يحلوا محل المحافظين الحاليين المنتمين إلى حزب الإصلاح. وفي مرحلة لاحقة، ينبغي التفاوض على إجراء تغييرات إضافية للمسؤولين الحكوميين المحليين وضباط الشرطة لضمان حياديتهم إلى أقصى درجة ممكنة، أو على الأقل، تحقيق المشاركة الكافية لجميع الأطراف المحلية.
  • ينبغي أن توافق جميع الأطراف على الامتناع عن النشاط العسكري في صنعاء والسعي إلى التهدئة ونزع السلاح في العاصمة
  • لإظهار دعم المجتمع الدولي لجهود هادي التفاوضية، ينبغي على أعضاء مجموعة العشرة (المجموعة الدبلوماسية التي تتخذ من صنعاء مقراً لها والتي تتكون من الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، ومجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي) ـ وخصوصاً السعودية والولايات المتحدة ـ دعم المفاوضات علناً، وإذا طلب الرئيس ذلك، المشاركة في المحادثات والمساعدة في التنفيذ.
  • ينبغي أن تشمل مراقبة الاتفاقية مكوّناً محلياً ـ ربما من خلال مبادرات أمنية شاملة ذات أساس قبلي.

الأحد، 12 فبراير 2012

العدالة الانتقالية: قراءة مفاهيمية ومعرفية



 يعتبر مفهوم العدالة الانتقالية من المفاهيم التي ما تزال غامضة النسبة للكثيرين، لاسيما فيما يتعلق المقطع الثاني من المصطلح؛ أي "الانتقالية" إذ يثور التساؤل هل توجد عدالة انتقالية؟ وما الفرق بينها وبين العدالة التقليدية المرتبطة؟
وهنا لابد من توضيح أن العدالة الانتقالية تختلف عن العدالة التقليدية في كونها تُعنى بالفترات الانتقالية مثل: الانتقال من حالة نزاع داخلي مسلح إلى حالة السلم، أو الانتقال من حكم سياسي تسلطي إلى حالة الحكم الديمقراطي، أو التحرر من احتلال أجنبي باستعادة أو تأسيس حكم محلي، وكل هذه المراحل تواكبها في العادة بعض الإجراءات الإصلاحية الضرورية وسعي لجبر الأضرار لضحايا الانتهاكات الخطيرة.[1]
أي أن مفهوم العدالة الانتقالية يعني الاستجابة للانتهاكات المنهجية أو الواسعة النطاق لحقوق الإنسان، بهدف تحقيق الاعتراف الواجب بما كابده الضحايا من انتهاكات، وتعزيز إمكانيات تحقيق السلام والمصالحة والديمقراطية. أي أنها تكييف للعدالة على النحو الذي يلائم مجتمعات تخوض مرحلة من التحولات في أعقاب حقبة من تفشي انتهاكات حقوق الإنسان؛ سواء حدثت هذه التحولات فجأة أو على مدى عقود طويلة.[2]بعبارة أخرى، يربط مفهوم العدالة الانتقالية بين مفهومين هما العدالة والانتقال، بحيث يعني: تحقيق العدالة أثناء المرحلة الانتقالية التي تمر بها دولة من الدول.[3]
وعلى الرغم من أن المفهوم ظهر في أعقاب الحرب العالمية الثانية، إلا أن حضوره تكثف بشكل خاص منذ سبعينات القرن العشرين، فمنذ ذلك الحين شهد العالم أكثر من 30 تجربة للعدالة الانتقالية من أهمها تجربة تشيلي والأرجنتين وبيرو والسلفادور ورواندا وسيراليون وجنوب إفريقيا وتيمور الشرقية وصربيا واليونان.[4]
وفي الدائرة العربية، تبرز تجربة المغرب في مجال العدالة الانتقالية من خلال هيئة الإنصاف والمصالحة كمثال يستحق التقدير، لاسيما وأن هذه التجربة ارتبطت بشكل أساسي بتوفر إرادة سياسية شكلت أرضية للإصلاحات التي انخرط فيها المغرب منذ تسعينيات القرن الماضي، ويرى البعض أن القيمة الأساسية التي تميز التجربة المغربية في مجال العدالة الانتقالية تتمثل في "عنصر المشروعية".[5] وهو ما أثبت إمكانية تحقيق العدالة الانتقالية من داخل السلطة، خصوصاً بإشراك المعارضة التي كان في مقدمتها عبد الرحمن اليوسفي الذي تم تعيينه رئيساً للوزراء وفتح ملفات الانتهاكات وفيما بعد تشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة وتعويض الضحايا والعمل على إصلاح وتأهيل عدد غير قليل من المؤسسات.[6]
كما طرح موضوع العدالة الانتقالية بصفة مباشرة، من قبل هيئات رسمية في إطار ديناميات المصالحة الوطنية في كل من الجزائر والسودان و العراق. كما بدأ الموضوع يفرض نفسه في سياقات ذات صلة بتعزيز الديمقراطية وتثبيت الوحدة الوطنية في كل من البحرين و موريتانيا. وطرح الموضوع كإرهاصات، وكدعوات للتفكير، في سياقات التصدي لإشكالات التحول الديمقراطي والتفكير الاستراتيجي المرتبط بها، في كل من لبنان و اليمن. بل وبدأ الموضوع يظهر كإشكال للتفكير أو "كإغراء الأكاديمي" في أطروحات بعض النخب السياسية والحقوقية في كل من مصر و سوريا و الأردن.[7]
وللتعرف بشكل تفصيلي على مفهوم العدالة الانتقالية قد يكون من الملائم التعرض للنقاط التالية:
التطور التاريخي للمفهوم وتطبيقاته
يمكن من خلال استقراء واقع الممارسات والتطبيقات المختلفة لمفهوم العدالة الانتقالية الحديث عن مراحل ثلاث للعدالة الانتقالية، هي:
المرحلة الأولى، جاءت في أعقاب الحرب العالمية الثانية مباشرة، وتمثلت بشكل أساسي في محاكمات نورمبرج، تمحورت العدالة الانتقالية خلال هذه المرحلة حول فكرة التجريم والمحاكمات الدولية المترتبة عليها. وتمثلت أهم ميكانيزمات عملها في اتفاقية الإبادة الجماعية التي تم إقرارها، وإرساء سوابق لم يعد من الممكن بعدها تبرير انتهاك حقوق الإنسان باسم الاستجابة للأوامر. في هذه المرحلة، شكل مرتكبو انتهاكات حقوق الإنسان مركز الاهتمام في مساع تحقيق العدالة. [8]
وأثناء الحرب الباردة، ركدت جهود تحقيق العدالة الانتقالية واستمر ذلك حتى المرحلة الثانية والتي حدثت بعد انهيار الإتحاد السوفيتي والتغيرات السياسية المختلفة في دول أوروبا الشرقية وألمانيا وتشيكوسلوفاكيا، وفي هذه المرحلة تم تطبيق مفهوم مُسيس وذا طابع محلي أو وطني من العدالة الاجتماعية ارتبط بالهياكل الرسمية للدولة، وهنا تجاوزت فكرة المحاكمات وتضمنت آليات أخرى مثل لجان الحقيقة، والتعويضات، أي إنه خلال هذه المرحلة صارت العدالة الانتقالية بمثابة حوار وطني بين الجناة والضحايا، وخلال هذه المرحلة برزت تجربة لجان الحقيقة في الأرجنتين وعدد من دول أمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا. [9]
لقد تطور المفهوم خلال الفترات الانتقالية التالية لحكم الدكتاتوريات العسكرية في أمريكا اللاتينية، جنوب أفريقيا بعد نظام الأبارتهايد وبعض الدول الأفريقية ودول شرق ووسط أوروبا في أعقاب الحرب الباردة. كان هناك توافق دولي على الحاجة لإجراءات العدالة الانتقالية للتعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان الماضية، وهذا ما تزامن مع أهداف الدول والهيئات المانحة التي تطلبت وجود تطبيقا محكما لحكم القانون بما يسمح بالتنمية الاقتصادية.[10]
بعبارة أخرى، أعطت الموجة الثالثة للديمقراطية في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينيات زخما وحافزا جديدا للعدالة الانتقالية، انتقل به من كونه مفهوما رابطا بين المرحلة الانتقالية للتحول الديمقراطي والعدالة (كما نشأ في أواخر الأربعينات)، إلى فضاء أوسع بحيث أضحى هذا المفهوم يتضمن منظورا أوسع يقوم على إعادة تقييم شامل للوصول بمجتمع ما في المرحلة الانتقالية إلى موقع آخر تعد الديمقراطية أحد أهدافه الأساسية.[11]
ويعد إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوجوسلافيا السابقة في 1993 بداية لمشهد سياسي جديد شمل المرحلة الثالثة للعدالة الانتقالية، إذ أدى تكرر النزاعات إلى تكرر حالات تطبيق تطبيق العدالة الانتقالية، كما ارتفعت الأصوات المنادية بالحد من الأخذ بمبدأ الحصانة ليصبح الاستثناء وليس القاعدة، وفي هذا السياق تم إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا في 1994، ثم في 1998 تم إقرارا النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وقد أثرت هذه التطورات في الكثير من اتفاقيات السلام التي عقدت بعد ذلك، والتي أشارت إلى المحاكمات الدولية باعتبارها جزءا من عملية التسوية السلمية؛ من ذلك اتفاقية أروشا المتعلقة ببوروندي، واتفاقية ليناس ماركوسيس الخاصة بساحل العاج. وفي هذه المرحلة، التي لا تزال مستمرة حتى الآن تتم الإحالة دائما إلى القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى العودة لاستلهام نموذج محاكمات نورمبرج، لاسيما مع دخول ميثاق روما الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية لحيز التنفيذ في 2004 وإقرار وجود المحكمة كآلية دائمة لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان.[12]
استراتيجيات تحقيق العدالة الانتقالية:
تشير التطبيقات الفعلية للمفهوم إلى أن أي برنامج لتحقيق العدالة الانتقالية عادة ما يهدف لتحقيق مجموعة من الأهداف تشمل: وقف الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان، التحقيق في الجرائم الماضية؛ تحديد المسئولين عن انتهاكات حقوق الإنسان ومعاقبتهم، تعويض الضحايا؛ منع وقوع انتهاكات مستقبلية، الحفاظ على السلام الدائم، الترويج للمصالحة الفردية والوطنية.[13]
ولتحقيق تلك الأهداف، تتبع العديد من الاستراتيجيات بعضها ذي صبغة قضائية وبعضها لا يحمل هذه الصبغة، هي:[14]
الدعاوى الجنائية: وتشمل هذه تحقيقات قضائية مع المسئولين عن ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان؛ وكثيراً ما يركز المدعون تحقيقاتهم على من يعتقد أنهم يتحملون القدر الأكبر من المسؤولية عن الانتهاكات الجسيمة أو المنهجية. ويمكن القول إن أول إعمال لهذه الآلية كان مع محاكمات نورمبرج التي أجريت للنازيين في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. وهي قد تتم على المستوى أو الإقليمي أو الدولي أو من قبل بعض الأجهزة الخاصة مثل المحكمة الخاصة بسيراليون.
لجان الحقيقة: وهي هيئات غير قضائية تجري تحقيقات بشأن الانتهاكات التي وقعت في الماضي القريب، وإصدار تقارير وتوصيات بشأن سبل معالجة الانتهاكات والترويج للمصالحة، وتعويض الضحايا وإحياء ذكراهم، وتقديم مقترحات لمنع تكرر الانتهاكات مستقبلا.
برامج التعويض أو جبر الضرر: وهذه مبادرات تدعمها الدولة، وتسهم في جبر الأضرار المادية والمعنوية المترتبة على انتهاكات الماضي؛ وتقوم عادة بتوزيع خليط من التعويضات المادية والرمزية على الضحايا، وقد تشمل هذه التعويضات المالية والاعتذارات الرسمية.
الإصلاح المؤسسي: وتستهدف إصلاح المؤسسات التي لعبت دورا في هذه الانتهاكات (غالبا القطاع الأمني والمؤسسات العسكرية والشرطية والقضائية.. وغيرها)، وإلى جانب تطهير هذه الأجهزة من المسئولين غير الأكفاء والفاسدينِ، غالبا ما تشمل هذه الجهود تعديلات تشريعية وأحيانا دستورية.
كما يشير الواقع إلى وجود آليات أخرى من قبيل جهود تخليد الذكرى وتشمل إقامة المتاحف والنصب التذكارية التي تحفظ الذكرى العامة للضحايا، وترفع مستوى الوعي الأخلاقي بشأن جرائم الماضي. [15]
ويمكن أن تتم هذه الآليات على المستوى الوطني بشكل كامل، أو على المستوى الدولي أو على نحو مختلط أو هجين مثل الترتيبات الخاصة في سيراليون وتيمور الشرقية وكوسوفا، إذ يعد إنشاء الاستراتيجيات المختلطة أو الهجينة للعدالة الانتقالية استجابة منطقية للمشكلات التي تواجه الاستراتيجيات ذات الطابع الدولي مثل البعد الجغرافي والانفصال القيمي عن المجتمعات المعنية، ومن ثم فالاستراتيجيات الهجينة من المتوقع أن تكون أكثر قدرة على تحقيق المصالحة الوطنية والسلام الاجتماعي، لاسيما في حال اعتمادها على مجموعة من القيم الاجتماعية والثقافية قادرة على استيعاب الاختلافات في روايات الأطراف المختلفة للأعمال العدائية التي تكون هذه المجتمعات قد شهدتها.[16]
من ناحية أخرى، لا تعمل آليات ومناهج العدالة الانتقالية بصورة منفصلة عن بعضها البعض إنما تعمل وفق رؤية تكاملية فيما بينها وقد تكون مكملة لبعضها البعض؛ فمثلا قد يعتبر البعض إن قول الحقيقة دون تعويضات خطوة بلا معنى، كما إن منح تعويضات مادية دون عمليات مكملة لقول الحقيقة والمكاشفة سيكون بنظر الضحايا محاولة لشراء صمتهم. كما إن تكامل عملية التعويض مع المحاكمات يمكن أن توفر جبرا للأضرار أكثر شمولا مما توفره كل على انفراد. وقد تحتاج التعويضات من جانب آخر إلي دعمها بواسطة الإصلاحات المؤسسية لإعلان الالتزام الرسمي بمراجعة الهياكل التي ساندت أو ارتكبت انتهاكات حقوق الإنسان.مع الأخذ في الحسبان إن النصب التذكارية غالباً ما تهدف إلي التعويض الرمزي والجبر المعنوي للأضرار.[17]
موقع العدالة الانتقالية على الخريطة المعرفية
تنتمي دراسات العدالة الانتقالية بشكل تقليدي إلى حقل القانون الدولي لحقوق الإنسان، ومع التطور في تطبيقات المفهوم تم توسيع مجالات دراسة المفهوم لتشمل العديد من الآليات والأهداف تنتمي للعديد من المجالات العلمية والبحثية.[18] والآن يمتد الاهتمام بالعدالة الانتقالية عبر العديد من المجالات العلمية لاسيما مع إسهامات علماء القانون والسياسية والاجتماع والأنثروبولوجي والمؤرخين، ورجال دين، والصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان، وتعكس هذه الممارسات والأجندات البحثية التطورات المستمرة في مفهوم العدالة الانتقالية، والظواهر المرتبطة به من قبيل جهود تحقيق العدالة، إشكالية المسؤولية/ الحصانة، ولجان الحقيقة، وجهود إعادة حكم القانون.[19]
وبصفة عامة، ينقسم المفكرون والفلاسفة المعنيون بالعدالة الانتقالية (على اختلاف تخصصاتهم) حول اثنين من الروافد الثقافية؛ الأول الفكر الليبرالي لحقوق الإنسان، أما الثاني فهو الرافد الديني. ورغم تباينهما، يشترك الرافدان في العديد من الفرضيات والاستنتاجات، وإن كان لكل منهما نقاط تميزه بل وتوجد خلافات بينية في كل رافد.[20]
يقوم النهج الليبرالي للعدالة الانتقالية على الميراث الفكري لكل من جون لوك وإيمانويل كانط وجون ستيوارت ميل الداعي إلى المساواة والحرية، فضلا عن فكر جون رولز الداعي لعدالة توزيع الموارد الاقتصادية. وفيما يخص جرائم الماضي، يميز رواد الرافد الليبرالي ما بين نظريتين، أولاهما تركز على معاقبة مرتكبي الجرائم، في حين تركز الثانية على إعادة تأهيل الضحايا، والردع، وتحسين النظام الاجتماعي بصفة عامة.[21]
أما الروافد الدينية للعدالة الانتقالية، فتعد "حقوق الإنسان" هدفا لها، ولكنه ليس المفهوم الأساسي المحرك، ولكن تعد "المصالحة" هي الفكرة التي تتلاقى حولها كل الروافد الدينية، وهو ما يعد أحد التطورات غير المتوقعة في الخطاب المتعلق بالعدالة الانتقالية. وإن كانت لتلك الروافد اختلافاتها البينية أيضا، فمثلا تعد حقوق الإنسان فكرة محورية بالنسبة للفكر الكاثوليكي وبعض الطوائف البروتستانتية واليهودية، إلا إن الاهتمام بها يقل في الإسلام والبوذية والهندوسية.[22]
خارطة المفاهيم الشريكة:
يتناول حقل العدالة الانتقالية، عملية إعادة النظر في الأوضاع السياسية والقانونية والفلسفية في بلد ما في أعقاب حرب ما. وهو يثير جدليات كثيرة أهمها التعارض بين الرغبة في تحقيق الهدوء بعد الحرب والرغبة في محاكمة منتهكي حقوق الإنسان، والحاجة لإرساء قواعد ذات مصداقية لمحاكمة انتهاكات الماضي في مقابل القيود على عمل النظام العقابي والجنائي والقانون الدولي، فضلا عن إمكانية تحقيق المغفرة في الحياة السياسية، وعلى ذلك يمكن الدفع بأن العدالة الانتقالية نتاج للخطاب الدولي حول حقوق الإنسان أو على الأقل تشكل جزءا منه.[23]
ويلاحظ من متابعة الخطاب المتعلق بالعدالة الانتقالية أن هناك خارطة للتفاعلات بين هذا المفهوم، ومجموعة من المفاهيم التي تتقاطع معه في مجالات العمل، ويجدر التعرض لها على النحو التالي:
العدالة الانتقالية وبناء السلام: يستخدم "بناء السلام" كمفهوم شامل يتضمن مجموعة من الأنشطة أو الإجراءات المتعلقة بخلق الشروط الضرورية لتحقيق السلام المستدام في المجتمعات محل الصراعات، وتحديد ودعم الهياكل التي تسهم في تقوية وترسيخ السلم من أجل تجنب الارتداد إلى حالة الصراع. ومن أهم الإجراءات التي يشملها: إعادة توطين اللاجئين والمشردين داخلياً، والتسريح وإعادة إدماج المحاربين السابقين، ودعم عملية التطور الديموقراطى، وتعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وإعادة تأسيس حكم القانون.[24]
وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن المساحات المشتركة بين المفهومين تشمل برامج استعادة حكم الواقع فإن عدد كبير من عمليات بناء السلام تتعامل مع نشاطات العدالة الانتقالية، مثل الإدارات الدولية لبعض الأقاليم مثل UNMIK في كوسوفا وUNTAET في تيمور لسته إذ تولت تلك البعثات مسؤولية السلطات القضائية، وإدارات السجن والشرطة. كذلك بعثات الأمم المتحدة في السلفادور وجواتيمالا وليبريا وهايتي والتي تولت مهام دعم حكم القانون وحقوق الإنسان. [25]
العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية: يرجع تعبير"المصالحة الوطنية" إلى الزعيم الفرنسي التاريخي شارل ديجول، وارتبط بشكل أساسي بضرورة تحمل مسؤولية محو ديون وجرائم الماضي التي وقعت تحت الاحتلال أو إبان حرب الجزائر، كما تحدث الرئيس الفرنسي الأسبق ميتران عن هذا المفهوم باعتباره ضامن الوحدة الوطنية. بعد ذلك استخدم مانديلا هذا المفهوم في جنوب أفريقيا عندما كان ما يزال قابعاً في السجن، إذ رأى أن من واجبه أن يضطلع بنفسه بقرار التفاوض حول مبدأ إجراء العفو العام، الذي سيتبع أولاً عودة منفيي المؤتمر الوطني الإفريقي ويطمح إلى مصالحة وطنية، من دونها سيكون البلد عرضةً لمزيد من الاحتراق وإراقة الدماء التي سيقف وراءها الانتقام بكل تأكيد. وتشمل المصالحة الوطنية الإجراءات والعمليات التي تكون ضرورية لإعادة بناء الأمة على أسس شرعية قانونية وتعددية وديمقراطية في الوقت ذاته.[26] وبذا يمكن القول إن المصالحة هي أحد أهداف العدالة الانتقالية، بل هي في الواقع شكل من أشكال العدالة الانتقالية.
العدالة الانتقالية والنوع الاجتماعي/الجندر: يتم الربط بين هذين المفهومين بهدف تصميم وتطوير عمليات العدالة الانتقالية بحيث تخاطب انتهاكات حقوق الإنسان القائمة على النوع الاجتماعي خلال فترات الصراع العنيف أو الحكم الاستبدادي، خاصة وأن المرأة عادة ما تكون أكثر عرضة للانتهاكات، كما إن الإساءات الموجهة للمرأة أكثر عرضة للتجاهل والاستهانة بها في إطار المؤسسات السائدة. فغالبا ما يتم انتقاد العديد من آليات العدالة الانتقالية لأنها لم تأخذ بالنوع الاجتماعي خاصة في بداياتها، لاسيما مع مساهمة بعض التقاليد الاجتماعية والبنى الفكرية المحافظة والتشريعات الخصوصية في مزيد عرقلة مبادرات العدالة الانتقالية المرتبطة بالنوع في المجتمعات المعنية، لاسيما الدول العربية.[27]
في هذا السياق غالبا ما تدعو مؤسسات المجتمع المدني إلى إعطاء المزيد من الانتباه لوضعية النساء في عمليات العدالة الانتقالية، ويصبح السؤال هو كيف يمكن لإجراءات العدالة الانتقالية أن تمكن النساء، وأن تصحح الأوضاع التمييزية ضدهن في مجتمع ما؟ وهنا تتم الإشارة لحالة سيراليون للتذكير بأنه من الممكن أن يتم تصميم استراتيجيات العدالة الانتقالية بحيث تتعامل مع المشكلات الاجتماعية المختلفة ومنها عدم المساواة بين الرجل والمرأة بشكل ناجح.[28]
قائمة المراجع
 [1] د. عبد الحسين شعبان، "العدالة الانتقالية وذاكرة الضحايا"، مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية، 2008-01-26. متاح على الرابط التالي: http://www.dctcrs.org/
[2] http://ictj.org/en/index.html
[3] رضوان زيادة ومعتز الفجيري،"العدالة الانتقالية مدخل لإعادة تأسيس شرعية الدولة العربية"، صحيفة الحياة 16/09/2007.
[4] د.عبد الحسين شعبان، المرجع السابق.
[5] http://ar.midipress.com/19751/22723/
[6] د. عبد الحسين شعبان، المرجع السابق.
[7] مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية http://www.kawakibi.org/kadem/index.php?lang=ar
[8] Lydiah Bosire, "Overpromised, Underdelivered: Transitional Justice in Sub-Saharan Africa", Occasional Papers Series,, International Center For Transitional Justice, July 2006, pp 6-7
[9] IbId.
[10] Chandra Lekha Sriram, Olga Martin-Ortega and Johanna Herman, " Beyond justice versus peace: transitional justice as part of peacebuilding strategies", Centre on Human Rights in Conflict, Working Paper 1, University of East London, April 2009, p 3.
[11] Charles Manga Fombad, "Transitional Justice in Africa: The Experience with Truth Commissions", Hauser Global Law School Program, New York University School of Law, May/June 2008.
Available at: http://www.nyulawglobal.com/index.htm
[12] Lydiah Bosire, "Overpromised, Underdelivered: Transitional Justice in Sub-Saharan Africa", OP.Cit, p 7
[13] Charles Manga Fombad, "OP.Cit.
[14] Ibid.
[15] http://ictj.org/en/index.html
[16] Alana Tiemessen, "Transitional Justice: Lessons from Rwanda", Paper presented at the International Studies Association Annual Convention, February 28-March 3, 2007, Chicago, pp 4-5.
[17] عبد القادر محمد عبد القادر، "العدالة الانتقالية: مفهومها، مناهجها وآلياتها.. قراءة في مشروع برنامج الحزب الشيوعي السوداني المقدم للمؤتمر العام الخامس"، 3 يونيو 2009
متاح على الرابط التاليhttp://community-en.menassat.com/
[18] Christine Bell, "Transitional Justice, Interdisciplinarity and the State of the 'Field' or 'Non-Field'", The International Journal of Transitional Justice, Vol. 3, pp. 5-27, 2009; Transitional Justice Institute Research Paper No. 09-01.
Available at SSRN: http://ssrn.com/1370324
[19] Ruti Teitel, "Transitional Justice Globalized", International Journal of Transitional Justice, Volume2, Issue1, P p 1-4.
Available at: http://ijtj.oxfordjournals.org/search?author1=Ruti+Teitel&sortspec=date&submit=Submit
[20] Daniel Philpott, "Religion, Reconciliation, and Transitional Justice: The State of the Field", SSRC Working papers, Social Science Research Council, New York, 17 October 2007, p 5.
[21] IbId, pp 7-8.
[22] IbId, pp 11-12.
[23] "Transitional Justice", Stanford encyclopedia of Philosophy, Jan 26, 2009
Available at: http://plato.stanford.edu/
[24] أيمن شبانة، "دور الأمم المتحدة فى بناء السلم في أفريقيا دراسة حالة: موزمبيق وليبيريا"، رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة، معهد البحوث والدراسات الأفريقية، 2009، ص 22.
[25] Chandra Lekha Sriram, Olga Martin-Ortega and Johanna Herman, Op.Cit, p 5
[26] رضوان زيادة ومعتز الفجيري، المرجع السابق.
[27] http://www.albadil.org/spip.php?rubrique3
Available at: http://tj-forum.org

السبت، 30 يوليو 2011

مسارات الهبة الشعبية

مخاض عسير ينتظر المستقبل
تحديات وانقسامات تهدد مسار الثورة في اليمن


تقرير : عادل الصلوي ووهيب النصاري



تواجه الثورة الشبابية القائمة في اليمن تحديات جدية ومتزايدة في الصمود والثبات على المسار السلمي ذاته الذي دشنت من خلاله ظهورها الأول في الثلث الثاني من شهر فبراير/شباط المنصرم في مواجهة جملة من التداعيات المتصاعدة التي تمثل في مجملها إفرازات متوقعة لتأخر تحقيق خيار الحسم الثوري واستمرار حالة المراوحة في مشهد الأزمة السياسية القائمة والتصاعد المطرد لسقف القمع الأمني والعسكري الموجه ضد ساحات الاعتصام الاحتجاجي الموزعة على 17 محافظة يمنية ومحاولات الاستهداف للقيادات الشبابية والسياسية المؤثرة ليبدو المشهد الثوري القائم في البلاد، وبعد مرور ما يزيد على ستة أشهر من انطلاق الثورة الشبابية والشعبية الهادفة إلى إسقاط النظام الحاكم محشوراً وسط خريطة مزدحمة بالتفاعلات المحيطة والتجاذبات الداخلية ومظاهر التصعيد المسلح للفعل الثوري من قبل بعض القوى المندرجة ضمن مكونات الثورة في مدن كصنعاء، تعز، عدن، إب، البيضاء، مأرب، الجوف، عمران، أبين، شبوة وحضرموت، بالتزامن مع تجدد الدعوات ذات الطابع التحريضي من داخل الساحات بتصعيد الفعل الثوري باتجاه الاستحواذ والسيطرة على مقار المؤسسات والمنشآت الحكومية السيادية في العاصمة والمدن الأخرى والزحف على القصور الرئاسية تمهيداً لإسقاط المزيد من المدن والتعجيل بالحسم الثوري المنشود .

“الخليج” حرصت على مواكبة التطورات على واجهة المشهد الثوري في اليمن وتقصي إمكانية صمود ساحات الاعتصام الاحتجاجي في الحفاظ على الطابع السلمي للثورة الشبابية والشعبية القائمة في مواجهة مظاهر التصعيد المسلح الراهنة التي تهيمن على مفردات مشهد الأزمة السياسية القائمة في البلاد من خلال الالتقاء بقيادات أبرز المكونات الشبابية الثورية الفاعلة في عدد من ساحات الاعتصام الاحتجاجي الأكثر حراكاً في خريطة الساحات الثورية الممتدة على 17 محافظة يمنية .

تبدو ساحة التغيير في العاصمة صنعاء من الداخل مشدودة أكثر من أي وقت مضى باتجاه حالة من التباينات والانقسامات الطارئة بين مختلف المكونات الثورية الممثلة في الساحة حيال تحديد خيارات التعامل الأنسب مع استحقاقات المتغيرات الراهنة على واجهة مشهد الأزمة السياسية القائمة وكيفية التعجيل بتحقيق خيار الحسم الثوري .

انفراد أحد الائتلافات الشبابية المستقلة بصياغة قرار تشكيل مجلس رئاسي انتقالي وانحصار المداولات التي سبقت الإعلان عن مثل هذه المبادرة على عدد محدود من مكونات الثورة القائمة أفرزا أجواء ملموسة من التجاذبات الحادة وتصدع جبهة المواقف والتوجهات الموحدة التي مثلت خلال الأشهر المنصرمة أبرز مميزات النموذج الثوري الشبابي اليمني لتشهد ساحة التغيير في صنعاء التي تمثل الساحة الأكثر حراكاً في المشهد الثوري القائم حالة لافتة من التنافس بين العديد من الائتلافات الشبابية لإصدار بيانات منددة بالإجراء التصعيدي الأخير المتمثل في إعلان تشكيل مجلس رئاسي انتقالي مكون من 17 عضواً، فيما انتهز حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم هذه الأجواء من التباينات الحادة داخل ساحة التغيير والساحات الأخرى للدفع بائتلافات شبابية موالية وغير معروفة أو مسجلة بساحة التغيير إلى الظهور واستثمار الخلافات الطارئة بالساحات بالترويج لخطاب تحريضي يستهدف إذكاء جذوة التباينات عبر إصدار بيانات وتوزيعها بساحة التغيير باعتبارها صادرة عن كيانات شبابية ممثلة في الساحة من قبيل “تكتل شباب الثورة المستقلون” الذي بادر إلى إصدار بيان تضمن التعبير عن رفض 215 ائتلافاً شبابياً للإجراء التصعيدي المتمثل في تشكيل مجلس رئاسي انتقالي والتحذير من “مخطط إجرامي جديد” من قبل من وصفهم البيان ب”متطرفي الأخوان المسلمين” الذين يعدون للزج بمجموعة كبيرة من الشباب إلى المحرقة وتكرار “جمعة الكرامة” وإلصاق التهمة بالنظام على غرار ما حدث في ال18 من شهر مارس المنصرم” .

التعجيل بتحقيق الحسم الثوري، وإن مثل سقف التوافق الجماعي المعبر عن توجهات الإرادة الثورية لكافة مكونات الثورة الفاعلة في ساحة التغيير بصنعاء والساحات الأخرى، إلا أن هذا التوافق لا يزال متعثرا في تجاوز الخلافات الناشئة بين المكونات ذاتها حيال تحديد الخيارات العملية الأكثر ضمانا للتسريع بتحقيق هذه الغاية لتبرز خلال الأسبوعين الأخيرين أصوات ودعوات لم تعدم مناصرين لها داخل الساحات تنادي بضرورة اعتماد خيارات مغايرة لفرض الحسم الثوري عن خيارات التسوية السياسية المطروحة من قبل النخب السياسية المعارضة والمرفوضة من المعتصمين في الساحات والنقل القسري للسلطة، سواء عبر تشكيل مجلس انتقالي أو استمرار الرهان على تجاوب نائب الرئيس مع هذا المطلب والاتجاه صوب انتهاج بدائل اكثر فاعلية من قبيل المواجهة القسرية والمباشرة مع بقايا النظام وفرض الحسم الثوري باستخدام القوة عبر السيطرة على مقار المؤسسات والمنشآت الحكومية والرئاسية واضطلاع القبائل الموالية للثورة بمحاصرة ثكنات ومعسكرات القوات الموالية للنظام في كافة المدن التي لا يزال يتواجد فيها حضور مؤثر لهذه القوات، فيما اتجه بعض الأصوات إلى الدعوة إلى اعتماد خيار إسقاط المدن من سيطرة الحكومة المركزية لتقليص حدود نفوذ النظام والتسريع بإسقاطه .

واعتبر القيادي في ائتلاف شباب “ثورة فبراير” في ساحة التغيير بصنعاء إبراهيم أحمد حسين المتوكل أن صمود الثورة السلمية القائمة في البلاد في الاحتفاظ بطابعها السلمي، وإن مثل ما يمكن توصيفه ب”المبدأ العام” الذي على أساسه تم اعتماد خيار الاعتصامات الاحتجاجية بالساحات العامة، إلا أن هذا الصمود بات يواجه وبشكل جدي وغير مسبوق تحديات متزايدة من أبرزها استشراء شعور بالإحباط لدى العديد من المعتصمين في الساحات دفع إلى الاعتقاد بأن تأخر الحسم الثوري سببه اعتماد الطرق السلمية وأن مواصلة الثورة على النظام بذات الآليات المعتمدة والمتمثلة في الاعتصامات والمسيرات ذات الطابع الاحتجاجي السلمي لن تفضي إلى تحقيق الحسم .

وأشار المتوكل إلى أن الشعور بالإحباط الناجم عن تأخر تحقيق الحسم الثوري أسهم في إيجاد أجواء مواتية داخل العديد من الساحات لارتفاع الأصوات والدعوات المحرضة على اعتماد خيارات غير سلمية لتحقيق الحسم المنشود، مشيراً إلى أن هذه الأصوات المحرضة لا تمثل خطراً أو تحدياً طارئاً يواجه استمرار النهج السلمي للثورة الشبابية بقدر ما يمثله اتساع مساحة الشعور بالإحباط داخل ساحات الاعتصام من جدوى نتائج الفعل الثوري السلمي .

من جهته قلل الناشط السياسي في ساحة التغيير بصنعاء والقيادي البارز في “ائتلاف الثوار الأحرار”، أحد الائتلافات الفاعلة بالساحة من تأثير تداعيات التصاعد المطرد لمظاهر التحفز المسلح من قبل العديد من أطراف الأزمة القائمة والأصوات والدعوات المتعالية داخل عدد من الساحات باعتماد خيارات الحسم باستخدام القوة لإحداث التغيير المنشود وإسقاط النظام السياسي القائم، مبدياً ثقته بصمود الثورة الشبابية واحتفاظها بخيار مسارها السلمي رغم التحديات التي يواجهه استمرار هذا المسار .

وقال: “من دون الخيار والمسار السلمي لن يكون للثورة الشبابية القائمة في البلاد قيمتها الاعتبارية والإنسانية المؤثرة وستتحول إلى ما يشبه “التمرد المسلح” الذي يتيح الدستور القائم والتشريعات الدولية للأنظمة الحاكمة مجابهتها بالعنف” .

ويرى أن “التمسك باستمرارية هذا المسار حتى تحقيق الحسم الثوري أصبح قضية مبدأ تلتف حوله معظم مكونات الثورة، لكن ذلك لا يعني أن هذا المبدأ لا يواجه تحدياً حقيقياً في الوقت الراهن فرضتها تطورات طرأت مؤخرا كتحول بعض المدن إلى ساحات لصراع مسلح بين قوى مؤيدة للثورة والقوات الموالية للنظام وتصاعد التباينات بين بعض مكونات الثورة داخل الساحات والتي وصلت في بعض الحالات إلى التصادم والاشتباك بالأيدي إلى جانب تزايد أعمال القمع والاستهداف الموجهة ضد المعتصمين في الساحات، لكن كل هذه التطورات في اعتقادي لن تفضي إلى تغيير مسار الثورة من الطابع السلمي إلى اعتماد خيارات بديلة غير سلمية لسبب بسيط يتمثل في أن الشعور العام السائد في كافة ساحات الاعتصام ولدى كافة الائتلافات المتعددة الموجودة بهذه الساحات بأن الطابع السلمي للثورة هو الذي حقق التصدع المتسارع للنظام الحاكم وأن تحقيق الحسم الثوري مسألة وقت فقط .

بلورة رؤية موحدة للإنقاذ

التصاعد المضطرد للخلافات والتباينات والانقسامات داخل ساحات الاعتصام، والتي برزت بشكل لافت عقب الإعلان عن تشكيل مجلس رئاسي انتقالي من قبل اللجنة التحضيرية لشباب الثورة الشعبية، وإن قوبل بمساع لرأب الصدع الطارئ وإعادة حشد وتوحيد التوجهات والمواقف المتقاطعة والمتعارضة بين قوى الثورة الممثلة بالائتلافات والتكتلات التي تزخر بها ساحة التغيير والساحات الأخرى من أبرزها: مبادرة اللجنة التحضيرية المصغرة للحوار الوطني المنبثقة عن أحزاب تكتل اللقاء المشترك المعارض بإقرار مشروع تشكيل المجلس الوطني لقوى الثورة الشعبية السلمية في اليمن وتحديد مهامه قبيل طرحة للتداول العام بالساحات، إلا أن مثل هذه المبادرة سرعان ما اصطدمت بمواقف رافضة ومشككة من قبل العديد من الائتلافات والتكتلات الشبابية لاعتبارات لا علاقة لها بمضمون المشروع المقترح أو موضوعية وإلحاحية أهدافه وإنما لكونه صدر عن لجنة مرتبطة بأحزاب المعارضة الرئيسة التي لم يعد سرًا أنها تواجه ومنذ بداية ظهور المبادرة الخليجية بنسختها الأولى ما يمكن وصفه ب”أزمة الثقة” بينها وبين معظم مكونات الثورة الشبابية غير المنضوية في إطار أحزاب أو تنظيمات سياسية .

في هذا الإطار يصف الناشط السياسي البارز في ساحة التغيير بصنعاء ومؤسس ائتلاف اتحاد شباب ثورة فبراير الدكتور عبدالعزيز أحمد رسام طبيعة التفاعلات القائمة والأجواء السائدة في الوقت الراهن في ساحة التغيير بصنعاء وعدد من الساحات الأخرى بأنها “خليط من الفوضى والصخب وانعدام الرؤية الموحدة والتصاعد غير المبرر للشكوك والتوجسات” .

وقال: “الثورة الشبابية تواجه ومنذ مطلع شهر يونيو المنصرم أزمة حقيقية ومتصاعدة، فتأخر الحسم الثوري واندفاع بعض قوى ومكونات الثورة إلى محاولة الظهور كأطراف مؤثرة في صناعة الفعل الثوري الهادف إلى تحقيق الحسم أحدث تراجعاً واضحاً للروح الجماعية سواء داخل ساحة التغيير أو غيرها من الساحات” .

وأضاف قائلاً: “بلورة رؤية إنقاذية موحدة تشترك في صياغتها كل مكونات الثورة كالشباب والأحزاب والقبائل والحوثيين وقوى الحراك الجنوبي يحتاج إلى تقارب كافة هذه القوى وتوحيد التوجهات والمواقف واستعادة الروح الجماعية ونبذ الخلافات والتباينات والكف عن تسويق الشكوك والارتياب بالآخر” .

ويقول إن “هناك مساعي جادة وحثيثة لتوحيد مواقف الائتلافات الشبابية داخل الساحات في تحديد خيارات الحسم، لكنها لا تزال تواجه عوائق نتيجة الترسبات التي خلفتها التباينات والانقسامات الناشئة والتي لا تزال قائمة وتسببت في إفراز مواقف رافضة ومتعنتة في التعامل مع مبادرة خلاقة كالتي تقدمت بها اللجنة التحضيرية المصغرة للحوار الوطني بتشكيل المجلس الوطني لقوى الثورة الشعبية السلمية” .

من جهته اعتبر مؤسس ائتلاف “شباب تعز الحر” والناشط بساحة الحرية بتعز توفيق عبدالرحمن عثمان المقرمي أن التقاء الشباب بساحات الاعتصام الاحتجاجي وأحزاب المعارضة الرئيسة على رؤية موحدة لإنقاذ البلاد وتحقيق الحسم الثوري المنشود يستدعي إحداث تقارب جاد في المواقف والتوجهات، معتبرا أن تخلي أحزاب اللقاء المشترك عن مواقفها المتذبذبة حيال التسريع بالحسم الثوري بعيدا عن خيار التسوية السياسية والمضي فعلاً وليس قولاً خلف الإرادة الثورية للشباب بالساحات سيسهم في ردم الفجوة القائمة بين الجانبين وتوحيد المواقف باتجاه صياغة رؤية موحدة للإنقاذ وتحقيق الحسم الثوري وفق الخيارات المطروحة والمحددة من الساحات وليس المتداولة في كواليس النخب السياسية المعارضة .

خيارات الحسم الثوري

يتأرجح المشهد الثوري القائم بساحات الاعتصام الاحتجاجي الموزعة في 17 محافظة يمنية بين ثلاثة خيارات لتحقيق الحسم الثوري لا تزال محل خلاف وتباين وانقسام بين مؤيد ومعارض داخل مكونات الثورة الناشئة .

وتبدي معظم الائتلافات الشبابية غير المنضوية في أحزاب أو تكتلات سياسية حماساً لتأييد خيار الحسم عبر تشكيل مجلس رئاسي انتقالي وفق قاعدة من التوافق والتداول الجماعي، بحيث يكون مثل هذا الإجراء التصعيدي مترافقاً مع تصعيد متزامن ومواكب على الأرض يتمثل في إقصاء من درج على وصفهم داخل الساحات ب”بقايا النظام” وفرض سيطرة فعلية على المقار والمنشآت الحكومية، فيما تتبنى النخب السياسية المعارضة والقبلية المناوئة للنظام خياراً مغايراً يتمثل في التسوية السياسية عبر النقل الفوري للسلطة من النظام القائم إلى النظام الجديد من خلال اعتماد الترتيبات المنصوص عليها في الدستور السائد والتي تقضي بنقل السلطة إلى نائب الرئيس واضطلاع الأخير بالإشراف على تسليمها وفق جدول زمني تتخلله فترة انتقالية وترتيبات انتخابية رئاسية .

وفي حال تعثر تنفيذ مثل هذا الخيار يتم اللجوء إلى خيار نقل السلطة بشكل قسري عبر تشكيل مجلس انتقالي موسع يمثل كافة القوى الفاعلة والمشاركة في الثورة، ويتمثل الخيار الثالث في فرض الحسم الثوري عبر اعتماد وسائل غير سلمية لتحقيقه من قبيل إسقاط المدن واستنزاف القوات الحكومية الموالية للنظام في حرب عصابات كالتي تجري في تعز وعمران وبعض المدن الجنوبية والشرقية .

وعبر الشيخ صادق الأحمر، زعيم قبيلة حاشد، كبرى القبائل اليمنية عن رؤيته للإنقاذ وتحقيق الحسم الثوري التي تمثل الموقف والتوجه المعلن من قبل اتحاد القبائل الموالية للثورة بالقول إنه “يجب أولا ممارسة الضغوط على نائب الرئيس لحثه على المبادرة بنقل السلطة من النظام القائم تمهيدا لبدء المرحلة الانتقالية والدخول في الحقبة السياسية الجديدة بعد انتهاء عهد الرئيس علي عبدالله صالح”، مشيرا إلى انه “في حال استمرار تعنت ورفض نائب الرئيس للقيام بهذا الدور ونقل السلطة فيتم اللجوء إلى خيار بديل يتمثل في تشكيل مجلس انتقالي موسع تمثل فيه كافة مكونات الثورة” .

الحوثيون والجنوبيون مع دولة مدنية

حظي ما يسمى “قوى الحراك الجنوبي” بحجم تمثيل محدود لم يتجاوز ال”12” عضواً في أول مبادرة مشروع لتشكيل مجلس انتقالي موسع أعدته أحزاب اللقاء المشترك المعارض قبل أسابيع ولم يتم طرحه للتداول العام بالساحات حتى الآن، فيما تم تغييب مكونات فاعلة في المشهد الثوري القائم كجماعة الحوثيين عن التمثيل في المجلس الانتقالي المقترح لاعتبارات لا تزال مبهمة، الأمر الذي أثار استياء عبرت عنه نخب قيادية ممثلة لقوى الحراك الجنوبي وجماعة الحوثيين قبيل أن يتحول هذا الاستياء إلى احتجاج معلن إثر الإعلان مؤخراً عن التشكيلة المنتقاة لتوليفة المجلس الرئاسي الانتقالي والمكونة من 17 عضواً والتي لم يحض فيها المكونان الأخيران من مكونات الثورة بأي تمثيل في قوام المجلس المعلن، على الرغم من مواقفهما المعلنة والمؤيدة لتحقيق الحسم الثوري عبر اعتماد خيار تشكيل مجلس رئاسي انتقالي .

جماعة الحوثيين والتي برزت منذ العام 2004 كإحدى القوى الفاعلة في المشهد الاجتماعي في البلاد عقب صمودها اللافت والمثير في ستة حروب متلاحقة في مواجهة ترسانة القوات الحكومية، وعلى الرغم من التحاقها المبكر بساحات الاعتصام وإظهارها لمواقف مساندة للثورة الشبابية السلمية على النظام السياسي الحاكم ومؤيدة للتوجهات المتعلقة بإنشاء دولة مدنية، إلا أنها برزت خلال الأسابيع الأخيرة كطرف في صراع مسلح يستهدف فرض السيطرة على مدينة “الجوف” الحدودية عبر خوض مواجهات دامية مع مجاميع قبلية تابعة لحزب التجمع اليمني للإصلاح، أكبر الأحزاب الإسلامية التي استبقت ميلشيات الحوثيين في الاستحواذ على مركز المحافظة وعدد من أهم المواقع العسكرية التي أخليت من قبل القوات الحكومية الموالية للنظام، الأمر الذي أثار توجسات وشكوكاً موضوعية لا تزال قائمة من تحول دراماتيكي طارئ في توجهات بعض القوى المكونة لائتلاف الثورة باتجاه اعتماد خيارات غير سلمية لتحقيق الحسم الثوري عبر إسقاط المزيد من المدن من حظيرة الحكومة المركزية ووفق أجندات مصالح خاصة .

وسارع أحمد صالح مثنى، أحد القيادات الشبابية الممثلة لجماعة الحوثيين بساحة التغيير بصنعاء الذين التقتهم “الخليج” إلى تأكيد التزام جماعة الحوثيين بالنهج السلمي للثورة الشبابية، نافيا ما تردد حول اندلاع اشتباكات بالأيدي بين المعتصمين من أتباع الجماعة ومعتصمين آخرين من كوادر حزب التجمع اليمني للإصلاح على خلفية المواجهات الدامية والمتصاعدة بين الجانبين في عدد من مديريات الجوف شرق البلاد

وقال: “الحوثيون سيكونون من أوائل مكونات الثورة التي تبادر إلى دعم إنشاء الدولة المدنية والتخلي عن السلاح، والمعتصمون من أتباع الجماعة بساحة التغيير أو غيرها من الساحات هم جزء من المكونات الشبابية للثورة القائمة والممثلة بهذه الساحات ونحن جميعا نلتزم كشباب للثورة بمواصلة النضال السلمي لتحقيق أهداف ثورتنا وفرض الحسم الثوري” .

وعبر مثنى عن موقف المعتصمين الحوثيين في ساحة التغيير من إعلان تشكيل مجلس انتقالي وتصور الجماعة لرؤية الانقاذ المفترضة لتحقيق الحسم وتتويج انتصار الثورة بالقول: “نحن مع الحسم الثوري وإقصاء بقايا النظام ومع أن يتم تحقيق هذا الحسم بالطرق السلمية التي بدأت بها الثورة مسيرتها قبل ستة أشهر، نؤيد تشكيل مجلس انتقالي تمثل فيه كافة مكونات الثورة دون استثناء أو إقصاء وبحيث يكون نتاج توافق من جميع هذه المكونات” .

من جهته استبعد محسن عبدالله ناصر الصرح، أحد المعتصمين من جماعة الحوثيين في ساحة التغيير بصنعاء أن يتسبب التصعيد المضطرد للمظاهر المسلحة في كافة المدن وتفاقم ظاهرة الانفلات الأمني والسباق المتصاعد بين العديد من القوى للسيطرة على المدن الساقطة من حظيرة الحكومة المركزية في تغيير المسار السلمي للثورة الشبابية القائمة والانزلاق بها إلى اعتماد خيارات غير سلمية لتحقيق الحسم الثوري .

وقال: “هناك توافق بين كافة مكونات الثورة على الحفاظ على الطابع السلمي للثورة الشبابية أياً كانت التضحيات، وهذا يعد أكبر ضمانة لاستمرار النهج السلمي للثورة، وبالنسبة لجماعة الحوثيين فأتباع الجماعة في صعدة والتي تمثل اكبر تجمع للحوثيين منخرطون في ساحات الاعتصام منذ إنشائها ويشاركون بفاعلية في المسيرات اليومية والفعاليات الاحتجاجية كل يوم جمعة ولا يحمل أي منهم قطعة سلاح لأن خيار الثورة السلمية يمثل لدى الجماعة قناعة راسخة بكونه الوسيلة المثلى لتحقيق الحسم الثوري وإسقاط النظام المستبد والفاسد” .

أما قوى الحراك الجنوبي، والتي تراجعت مؤخراً عن توجهاتها المعلنة وبرامجها السياسية التصعيدية المرتكزة على فكرة “فك الارتباط” بين جنوب اليمن وشماله معلنة تأييدها المطلق للثورة السلمية ضد النظام القائم أيدت من جهتها وعلى لسان قيادات شبابية ممثلة لها التزاما بمواصلة النهج السلمي للثورة القائمة .

واعتبر عبدالمغني احمد بازياد، أحد الناشطين في الائتلافات الشبابية الثورية الممثلة لقوى الحراك الجنوبي بعدن، أن التحديات التي تواجه استمرار المسار السلمي للثورة الشبابية والشعبية المتصاعدة ضد النظام مفتعلة من قبل النظام الحاكم لدفع الثوار في كافة الساحات إلى الانزلاق إلى العنف المضاد سواء من خلال تعمد سحب القوات الِأمنية والعسكرية من العديد من المدن الشرقية والجنوبية لإثارة صراعات بين بعض القوى بهدف السيطرة على هذه المدن أو تصعيد القمع العسكري ضد المعتصمين بالساحات لتعميم نموذج تعز على كافة الساحات .

وأشار بازياد إلى موقف قوى الحراك الجنوبي من الخيارات المطروحة لتحقيق الحسم الثوري بالتأكيد على دعم قوى الحراك الجنوبي لتشكيل مجلس انتقالي للتعجيل بالحسم الثوري وفق مبدأ الشراكة بين كافة القوى الثورية وعدم الإقصاء أو التهميش لأي طرف، مؤكداً التزام قوى الحراك الجنوبي بمواصلة النهج السلمي للثورة القائمة حتى تحقيق الحسم وإحداث التغيير المنشود .

تباين بين المعارضة وائتلافات الشباب

بعد الإعلان عن مجلس رئاسي انتقالي من قبل اللجنة التحضيرية لشباب الثورة الأسبوع قبل الماضي، برزت خلافات بين الثوار وتكتل أحزاب المعارضة التي سارعت للإعلان بعد أيام من تشكيل المجلس عبر اللجنة المصغرة للحوار الوطني عن مجلس وطني تحت التأسيس سيضم كل القوى السياسية والاجتماعية من ساحات وميادين الحرية والتغيير، ما أظهر تباينات الرؤى للعمل الثوري بين الشباب الثائر والمعارضة ممثلة بتكتل اللقاء المشترك وتوسع الخلافات حول الشرعية التي ستمنح لمجلس الشباب أو لمجلس المعارضة، لكنهما يجتمعان تحت هدف واحد وهو إسقاط بقايا النظام .

وبحثت “الخليج” مع شباب من مكونات ثورية عدة والمعارضة وبقية الأطراف السياسية الوضع الذي تمر به الثورة ورؤيتهم لمستقبلها في ظل غياب الرؤية الموحدة لتجمع كل الأطراف اليمنية لتحقيق أهدافها بإسقاط بقايا النظام، مع إمكانية تمسكها بسلمية الثورة المصاحبة لانتشار السلاح بشكل ملحوظ في معظم المدن اليمنية التي تشهد تظاهرات واحتجاجات مستمرة .

ومنذ انطلاق الثورة الشبابية الشعبية بمجموعة من الطلاب والشباب الناشطين مع سياسيين وبرلمانيين في الحادي عشر من شهر يناير/كانون الثاني الفائت توافد اليمنيون واليمنيات إلى ساحات الحرية والتغيير في المدن اليمنية من مختلف الاتجاهات الحزبية والفكرية والمذهبية وسواها من الاتجاهات يجمعهم هدف واحد هو إسقاط نظام الرئيس صالح وإقامة دولة مدنية حديثة وديمقراطية .

ويؤكد عضو اللجنة التنظيمية للثورة الشبابية الشعبية فخر العزب أن كل عمل يشوبه بعض الأخطاء التي تحدث بوعي أو بلا وعي، وفي هذا الصدد يقول: “من الطبيعي أن طول فترة الثورة اليمنية مقارنة بثورتي مصر وتونس أفرز بعض الممارسات السلبية التي كان من أهمها تحول معظم الكيانات الشبابية في ساحات الحرية وميادين التغيير من ممارسة العمل الثوري إلى ممارسة العمل السياسي خاصة في ظل العقلانية الزائدة للمعارضة السياسية التي جنبت اليمن الانزلاق في الهاوية مع سيطرة الأسرة الحاكمة على الجيش، كما أن هذه العقلانية قد أخرت من نجاح الثورة، ما جعل بعض الشباب يصابون باليأس والإحباط وانشغلوا بالقضايا السياسية التي يجب أن تكون من عمل السياسيين” .

وعن علاقة الشباب بالمعارضة يرى العزب أنها ليست بالصورة القاتمة التي يتم تصويرها لأن معظم الشباب اليمني الموجود في الساحات ينتمون إلى أحزاب سياسية، لكن هذه العلاقة قد تكون ساءت بعض الشيء في الفترة الأخيرة نتيجة وجود بعض القناعات بأن الأحزاب هي سبب تأخير حسم الثورة بسبب ممارستها للعمل السياسي في ظل الفعل الثوري .

ويتمنى العزب من الجميع “رص الصف والعمل على إسقاط فلول النظام الذي ما زال قابضاً على السلطة حتى يتم إسقاطه فعلياً فسيكون على شباب الساحات تحمل مسؤوليتهم بالبقاء بعيداً عن السلطة والبقاء كمراقبين من أجل الحفاظ على مسار الثورة وتحصينها من الثورات المضادة وترك العمل السياسي وفي مقدمته تشكيل المجلس الانتقالي أو الوطني للأحزاب السياسية التي سيكون عليها تحمل المهمة الأصعب وهي مرحلة بناء اليمن الجديد وبناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة” .

وقلل من أهمية تشكيل مجلس انتقالي رئاسي من قبل تكتل شبابي معين، كون بعض التكتلات تحاول تقليد ما يقوم به الثوار في هذه الأقطار بغض النظر عن اختلاف الوضع، فمثلاً كان التأثر بفكرة المجلس الانتقالي التي أعلنت في ليبيا قد جعل بعض الشباب اليمنيين يعلن عن تشكيل مجلس انتقالي وإن كانت لا توجد الأرضية المناسبة لهذا الإعلان .

مخاض عسير

يعتقد رئيس التنظيم الشبابي الشعبي الحر عارف الشيباني أن الثورة اليمنية تمر بمخاض عسير وإن كانت جزءاً من ثورات الربيع العربي، إلا أنها، حسب قوله، ذات خصوصية تميزها عن غيرها من الثورات الأخرى، كونها فضحت وكشفت القناع عن الوجه الحقيقي للنظام الذي كان يرتهن في قراراته السياسية إلى قوى إقليمية ودولية، فقد كان بمنزلة الشرطي ليس إلا، مشيراً إلى أن الثورة أسقطت عملياً النظام، لكنها اصطدمت بقوى خارجية لا تريد انتصارها .

وقال إن القوى السياسية والقبلية والعسكرية التي أصبحت بعد انضمامها جزءاً من الثورة الشبابية الشعبية، وجدت امتدادات لها في الساحات عبر تكوينات شبابية وائتلافات ثورية انشغلت بالاستقطاب على حساب الفعل الثوري الذي ظل مؤجلاً أو بطيئاً وتمضي وفق حسابات وتقديرات تلك القوى التي تربطها هي الأخرى تحالفات إقليمية بشكل أو بآخر، موضحاً أنه بالقدر الذي تود تلك القوى إسقاط النظام نهائياً لكن ليس عن طريق الفعل الثوري الخالص كون طبيعتها غير الثورية تجعل من الحسم الثوري أمراً مقلقاً لها، استشعاراً منها بأنه قد يأتي الدور عليها بعد ذلك .

ورغم المخاطر تلك التي تتعرض لها الثورة والتحديات التي تواجهها فإن الثورة برأي الشيباني “ستتجاوز هذه المخاطر”، معتبراً أن كثرة المجالس الشبابية نتيجة لطول فترة الاعتصامات وعدم الحسم الثوري أو تباطؤ الفعل الثوري، أدت إلى تباينات بين هذه المجالس والمكونات الشبابية وولدت حالة من عدم الثقة” .

ويرى أن جميع المكونات تنطلق في رؤاها من منطلق الحرص على حماية الثورة ويعمل الجميع من أجل انتصارها والمضي في طريق تحقيق أهدافها، مشيراً إلى أنه عندما أعلنت اللجنة التحضيرية عن تشكيل المجلس الانتقالي كان ذلك انطلاقاً من رغبة شعبية ومطلباً جماهيرياً ملحاً لأن البلاد تعيش فراغاً دستورياً بسبب غياب سلطة الدولة، وهناك محافظات يمنية خارج سيطرة النظام وعدم وجود قيادة سياسية موحدة للثوار، فرأت أن إعلان مجلس انتقالي وتسمية أعضائه أصبح ضرورة لوجود كيان سياسي للثورة .

ويقول إن الأشكال الأخرى للمجالس أو للمكونات الشبابية مع تشكيل مجلس انتقالي، لكن قرارها مرهون بقوى سياسية من خارجها ترى أن الوقت غير مناسب نتيجة ربما لأنها تتعرض لضغوط إقليمية ودولية وتخشى من عدم الاعتراف بالمجلس الانتقالي، وهو، حسب قوله “يجعل من التباينات أمراً واقعاً بين مكونات الأشكال الشبابية المختلفة”، لكنه يؤكد أن الثورة ماضية لأنه لا خيار أمام الشباب إلا أن يمضوا بثورتهم حتى النهاية ولابد من وجود اصطفاف لكل مكونات الثورة ووحدة الأداة الثورية ومركزية القرار الثوري، مؤكداً أن “هناك حوارات تجرى بهذا الخصوص لتوحيد الساحات وتوحيد أداة الفعل الثورة” .

لا خوف على وحدة الشباب

يرى العديد من القيادات الشبابية أنه لا خوف على وحدة الشباب، رغم الانقسام الظاهري بينهم بعد إعلان المجلس الانتقالي، ويقول وليد البكس ل”الخليج”: “لا نستطيع أن نسمي الترتيب لتشكيل مجلس وطني من قبل المعارضة أو مجلس انتقالي للتيارات الشبابية المستقلة غير موفق في التوقيت أو انه ينبئ عن سوء نية مبيتة من قبلهم” .

ويضيف قائلاً: “نحن نمر في المسار نفسه الذي مرت به حالة الساحة في بداية الثورة عندما ذهبت كل التيارات والقوى الشبابية الثورية والأحزاب إلى تشكيل تحالفات وتكتلات، إذ ظهرت نبرات تحذر من مخاوف تعتري الثورة من ذلك وبدأ التشكيك في نوايا من يسعون إلى إنشاء هذه التحالفات والتكتلات فيما قدمت صورة صحية للناس داخل الساحة وخارجها” .

ويشير البكس إلى أنه “لا خوف من تشتت التكتلات والخلافات، فعلى الجميع من شباب ومعارضة وبقية المنضمين إلى الثورة الاتفاق على قيادة موحدة من اجل إنجاز الثورة، لأن كل من خرج وضحى وقدم تنازلات لا يمكن التشكيك في نواياه، وبالتالي لابد من الجميع وفي مختلف هذه المجالس أن يدركوا كل ما يقوم به”، مؤكداً أنهم “ثوريو النزعة، كما أنهم يدركون أن آمال الناس وأحلامهم معلقة بمصير هذه الثورة والساحات ولا يمكن أن يخذلوا اليمن واليمنيين بنزوات فردية” .

من جهتها تنتقد رئيسة تحالف أبناء الجنوب جهاد الجفري أحزاب تكتل المعارضة نتيجة عدم التصعيد الثوري لإسقاط بقايا رموز النظام، وتقول إن الوضع الراهن للثورة الشعبية ضبابي، كون تكتل اللقاء المشترك المعارض لم يقم بتصعيد ثوري منذ مغادرة الرئيس صالح إلى المملكة العربية السعودية لتلقي العلاج إثر الهجوم على مسجد دار الرئاسة .

وأيدت الجفري تشكيل مجلس رئاسي انتقالي أعلنت عنه اللجنة التنظيمية لشباب الثورة، وقالت: “نحن مع المجلس الانتقالي الذي يهدف إلى التصعيد الثوري من جراء الركود الذي شهدته الساحة خلال الفترة الماضية، ومع تشكيل المجلس الوطني تحت التأسيس لدى المعارضة، وهي خطوة قد تكون بداية للتصعيد، لكن هذه الخطوة جاءت متأخرة وعملت على تشتت وغياب الرؤية الموحدة لتحقيق أهداف الثورة السلمية” .

ولكيلا يشعر شباب الثورة بتهميش من جراء شكواهم ترى جهاد الجفري أنه “يجب على كل الأطراف ومنها تكتل المعارضة وكل التكتلات الشبابية الالتقاء بعضهم مع بعض لمناقشة ما مرت به الثورة اليمنية وتقييم الستة الأشهر الماضية لتجنب الأخطاء وإيجاد الحلول لنجاح الثورة الشعبية وإسقاط بقايا النظام” .

وتحدثت الجفري عن ايجابيات الثورة الكبيرة بالقول إنها غيرت تصرفات وأخلاق الشباب اليمني من خلال الإبداعات والتضحيات والتكافل الاجتماعي داخل الساحات، والشجاعة والقوة وحب التغيير أيضاً، متمنية أن تتوحد صفوف الثوار من أجل إسقاط بقايا رموز النظام .

بين صنعاء وتعز

يلحظ المراقب للوضع القائم في ساحات التغيير أن هناك اختلافاً في التعاطي مع أحداث وتطورات الثورة، فهناك فرق بين ساحات التغيير في كل من صنعاء وتعز وعدن، ويعتقد القيادي في ائتلاف شباب التغيير حسن الحاشدي أن ما يحصل في ساحات الاعتصام من خلافات وتباينات حول الرؤية قد يكون في العاصمة صنعاء عكس بقية المدن اليمنية التي تتوحد الرؤية فيها خاصة في مدينة تعز التي تشهد مسيرات يومية في ظل استخدام العنف المسلح ضد الثوار، وقال إن تشكيل المجلس الانتقالي جاء نتيجة طبيعية لتحريك المياه الراكدة التي تشهدها الساحات خاصة بعد ظهور الرئيس صالح عبر التلفزيون متحدثاً من المملكة العربية السعودية، لكنه تمنى أن تشارك فيه كافة القوى السياسية والاجتماعية والدينية .

واعتبر تشكيل مجلس انتقالي من قبل تكتل شبابي ومجلس وطني تحت التأسيس من قبل المعارضة ومجلس ثوري من قبل آخرين ظاهرة صحية في حال توحدوا برؤيتهم لتصعيد العمل الثوري لإسقاط بقايا النظام، مشيرا إلى أنه في حال استمرت الخلافات في الساحات دون تدخل العقلاء على توحيد الصف لتحقيق هدفهم الذي خرجوا من أجله فإنها ستؤثر على سير نجاح الثورة الشعبية في فترة قصيرة .

ويؤكد الحاشدي أن شباب الثورة السلمية تمسكوا وقلبوا مخططات النظام الذي فشل في جرهم إلى مربع العنف وتحويل ثورتهم من عمل ثوري سلمي إلى أعمال مسلحة في ظل غياب الدولة منذ عدة أشهر، وهو ما جعل العالم يستغرب من عدم حدوث حرب أهلية نتيجة الوعي لدى الثوار .

ودعا الحاشدي المعارضة وشباب الثورة للعمل على التصعيد الثوري المصاحب للعمل السياسي من جانب المعارضة ليخلقوا وحدة انسجامية بينهما عبر لقاءات تشارك فيها كافة فئات القوى الفاعلة داخل الساحات والميادين ومن خارجها عبر مؤتمر شامل ليخرج الجميع بتشكيل مجلس يتفق عليه، مؤكدا أن الثورة نجحت، لكن نجاحها مسألة وقت فقط .

أما المعارضة فترى أن هناك تحركات لتوحيد المواقف، ويقول قيادي بتكتل اللقاء المشترك المعارض عبدالسلام رزاز أنه يجري حاليا التحضير لتشكيل ائتلاف وطني من قوى الثورة المتواجدة في ساحات وميادين التغيير والحرية ومن القوى المؤيدة للثورة التي مازالت خارج الساحات، وسينبثق عن هذا الائتلاف مجلس وطني لقيادة الثورة ليقوم باستكمال مهمته بإسقاط ما تبقى من النظام .

وأضاف الأمين العام المساعد لاتحاد القوى الشعبية أنه سيصبح للثورة مجلس قيادة واحد، وفيما يتعلق بالمجلس الانتقالي الذي أعلن عنه أحد مكونات الثورة في العاصمة صنعاء اعتبره اللقاء المشترك المعارض والمكونات الأخرى بأنه اجتهاد قابل للنقاش وربما يصبح ضمن المجلس الوطني الذي سيعلن عنه من قبل الأحزاب وشركائهم في اللجنة التحضيرية ومختلف مكونات الثورة بكافة ساحات الاعتصام، مشيراً إلى أن الإعلان عن المجلس الانتقالي لم يشكل إزعاجاً بل اعتبرته المعارضة مقترحاً ورأياً في إطار تعدد الآراء في الساحات .

واستغرب من الاتهامات الموجهة للمعارضة بمصادرة الثورة وتهميش دور شبابها، وقال إن “لا أحد يستطيع مصادرة الثورة لصالحه منفرداً لأن الجميع مشارك فيها، وقدم تضحيات جسيمة من أجل استمرارها، وأنه من غير المقبول أن تقوم المعارضة بتهميش الشباب الذين كانوا سباقين بخروجهم إلى الشارع مطالبين بإسقاط النظام، ونحن جزء من هذه الثورة التي ستعمل على بناء دولة مدنية حديثة ديمقراطية يسودها القانون” .

وأكد أن الثورة اليمنية قطعت مسافة كبيرة في تحقيق أهدافها التي ستستكمل مشوارها في إسقاط النظام حيث لا يمكن العودة إلى وضع ما قبل الثورة فخرج ملايين اليمنيين ليس تقليدا للآخرين وإنما نتيجة تدهور عوامل اقتصادية وسياسية صعبة دفعتهم إلى الخروج للمطالبة برحيل النظام، وقال إن اليمن سيشهد حراكاً جديداً على الصعيد الوطني في مختلف الساحات خلال الأيام المقبلة بعد إعلان المجلس الوطني لقيادة الثورة .

وبالنسبة لضوابط سلمية الثورة يقول الرزاز إن “الساحات تناضل من نصف عام بالطرق السلمية ورفضت استخدام السلاح، لأن كل مكونات الثورة ترفض الانزلاق إلى العنف، ففي ذلك ضرر على الثورة ووجود الأحزاب السياسية كمكون داخل الثورة ضمان لاستمرار سلميتها، كون استراتيجيتها النضالية قائمة على الطرق السلمية وهي ضمان لإنجاز التغيير وتأسيس الدولة المدنية ولأن العنف سيقود الناس إلى مشروع غير مدني” .

أما عن انتشار السلاح فبرأيه أنها ظاهرة ليست غريبة على المجتمع اليمني، وقال إن السلطات اليمنية وزعت أسلحة خلال هذه الفترة من عمر الثورة بهدف تخويف المحتجين، لكن في الأخير ستظل الثورة سلمية، معتبراً محاولة اغتيال رئيس حزب التجمع اليمني للإصلاح محمد اليدومي رسالة لهذا الحزب ولبقية الأحزاب هدفها التخويف بالتصفية والضغط عليه من اجل إعاقة مسار الثورة وفرض ما تريده السلطة والتي تعد محاولة بائسة لن تنفع، ففي النهاية ستنتصر الثورة .

رفض الإقصاء

يوضح رئيس اللجنة الإعلامية للتحالف المدني للثورة الشبابية أحمد الزكري أن قيادة نصبت نفسها خاصة في ساحة التغيير بالعاصمة صنعاء من أحزاب المعارضة بغالبية من حزب واحد فيه “التجمع اليمني للإصلاح الإسلامي” متفردين بالقرار وممارسة الإقصاء على بقية الأطراف .

ورغم الانتقادات التي توجه إلى تلك القيادة واستقالات شخصيات مستقلة منها، إلا أنه حسب قول الزكري “لم تعدل في طريقة أدائها الأمر الذي دفع بغالبية الثوار إلى البحث عن أطر لتنظيم أنفسهم، وقد تعددت تلك الأطر، ما أظهر الساحة بتعدد أقرب إلى الاختلاف منه إلى التنوع، وتسبب ذلك في تأخير انتصار الثورة إلى جانب أسباب جوهرية أخرى منها ضعف البنية التنظيمية لأحزاب المعارضة جراء محاربتها لعقود من قبل السلطة الحاكمة وكذا بنية النظام العائلية التي ظل رأس النظام يوطدها طوال ثلاثة عقود بإمكانات الدولة خاصة في المؤسستين العسكرية والأمنية، وحتى من خلال المساعدات المالية والعسكرية والفنية التي تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية بمبرر مكافحة الإرهاب والتي استغلت لبناء النظام الأسري لمواجهة الشعب وتطلعاته” .

ويرى الزكري أن “معالجة هذا التشتت تمثل بقيام تكتلات مؤثرة إلى تنظيم الكيانات المتفرقة الذي جمع أكثر من خمسين كياناً معلنين الأسبوع الماضي إشهار مجلس ثوري تحت التأسيس يضم 12 من التكتلات الكبيرة والمؤثرة في ساحة التغيير في العاصمة صنعاء ودعونا مختلف التكتلات إلى الانضمام إلى المجلس” .

ويهدف هذا المجلس، بنظر الزكري إلى “توحيد أداة الثورة في ساحة التغيير بالعاصمة صنعاء ثم في بقية المدن اليمنية من خلال كيان ثوري قادر على التعبير بصورة مسؤولة ومعقولة عن الثوار دون القفز إلى مسميات تفتقر إلى الدراسة، مثلما أعلن عنه الأيام الفائتة باسم مجلس رئاسي انتقالي دون التشاور حتى مع الأسماء التي تضمنها هذا المجلس” .

ويقول إن هذا سيساعد الثوار على توحيد خطواتهم وتجاوز المعضلات التي بدت خلال الفترة الماضية وظهرت بشكل واضح من خلال عدم التقدم خطوة واحدة إلى الأمام منذ خروج رأس النظام إلى المملكة العربية السعودية للعلاج بعد حادثة دار الرئاسة في الثالث من يونيو/ حزيران الفائت .

ويؤكد الزكري أن “توحيد صفوف الثوار ومصدر قرارهم والاتفاق على برنامج تصعيد جماعي هو الضامن لاستمرار الثورة السلمية وعدم انجرارها إلى العنف مع تبني خطاب إعلامي يفضح بقايا النظام ويستقطب الأغلبية الصامتة إلى الثورة خاصة في ظل استمرار إعلام بقايا النظام الذي يروج لأكاذيب ضد الثورة ويعتبرها سببا لكل الأزمات المفتعلة من قبله، وستكون السيطرة على الإذاعة والتلفيزيون ضمن برنامج تصعيد موحد ومتفق عليه من مختلف المكونات هدفاً مهماً ووسيلة في الوقت نفسه لانتصار الثورة” .

ويتطلب توحيد الصف من وجهة نظر الزكري أن “تراجع أحزاب المعارضة أداءها بجدية في الساحة مادامت قد تصدرت القيادة على أن يؤدي ذلك إلى تجاوز السلبيات السابقة، وأعتقد أن الأحزاب إذا أرادت توحيد الساحة بل الساحات فإنها ستكون الأقدر على ذلك وسيرحب كل الثوار بهذه الخطوة” .

شباب الحراك الجنوبي

فرض الحراك الجنوبي نفسه كمعادل مهم في الثورة بعد أن كانت نزعة الانفصال تهيمن على خطاب قوى الحراك خلال السنوات القليلة الماضية، ويقول الناشط في الحراك الجنوبي عبدالكريم قاسم العوبلي: “نحن في الجنوب أعلنا مناصرتنا لثورة الشباب في الشمال منذ انطلاقتها، حيث وحدتنا الساحات والميادين تحت هدف إسقاط النظام، معتبرين ذلك تعجيلاً لحل القضية الجنوبية التي ظهرت عقب الحرب الغاشمة التي شنها النظام عام 94 ليسقط خيار الوحدة التي حلموا بتحقيقها طويلا عبر سياسة الإلحاق وعودة الفرع إلى الأصل بحسب تفصيل النظام في الشمال للوحدة اليمنية وإقصاء وتهميش أبناء الجنوب، وهو ما أخرجهم عن صمتهم في ثورة سلمية عام 2007 معلنين استعادة دولتهم” .

ويرى العوبلي أن “ما تمر به الثورة الشعبية في الشمال مرده التفاف القوى التقليدية وتمسك بقايا نظام الحكم بقوة السلاح، والحل في حوار شمالي شمالي تطرح فيه كافة القضايا العالقة مع الالتفات إلى حل القضية الجنوبية بإعطاء شعب الجنوب حقه في تقرير مصيره” . وأكد أن “أبناء الجنوب مازالوا يناضلون مع إخوانهم في ساحات وميادين التغيير والحرية لإسقاط بقايا النظام، مشيرا إلى أن الحراك الجنوبي ليس مع تلك المجالس التي أعلن عنها الانتقالي والوطني والثوري - كونها ليست محل إجماع”، لكنه يقول إنه لن يكون ضدها إذا ما استطاعت تحريك المياه الراكدة وتحقيق أهداف ثورتها السلمية .

ويرجع أن سبب غياب الرؤية الموحدة لتلك التكتلات في الساحات يعود لغياب القيادة الوطنية التي يلتف حولها الثوار، ولالتفاف القوى التقليدية على شباب الثورة، ما أدى إلى تخبط واضح في الساحات للخروج من هذه الخلافات .