الجمعة، 20 يناير 2012

هل سينجو صالح من فخ معارضيه..؟



ساندرا ايفانس :
19 يناير 2012

قبل يومين من هبوط طائرة مبعوث الأمم المتحدة في مطار صنعاء الدولي، دفع البنتاغون بإحدى بوارجه الحربية في قاعدة "دييغة غارسيا" في المحيط الهندي باتجاه خليج عدن..
كان ذلك سيفهم كتهديد لأطراف الأزمة اليمنية، أو في ضوء تقرير متزامن بثه موقع "المارينز" عن تزايد أعمال القرصنة البحرية، لولا معلومات كشفها السيناتور "جون ماكين" عن زيارات سرية إلى صنعاء قام بها قائد قوات مكافحة الإرهاب الأمريكية المرابطة في "جيبوتي" وتلميحه إلى "وجبة دسمة" تطبخها واشنطن مع أطراف يمنية "متعاونة" تتعلق بملف تنظيم القاعدة في اليمن.
رغم أن ذلك لم يبد استثنائياً مع وضع اليمن المضطرب سياسياً وامنياً، لكنه في الرواق الخلفي للبيت الأبيض مثل تحركاً استثنائياً مدفوعاً بتعاظم قلق الإدارة الأمريكية من فشل محتمل للتسوية السياسية بين نظام الرئيس صالح وتحالف المعارضة.. فالحزب الديمقراطي استهل اجتماع بداية ديسمبر بتحذير من "إشارات" لوكالة الاستخبارات المركزية عن "تكتيكات جديدة" للإسلاميين في اليمن تنبئ بفوضى قادمة، وأبدى خشيته من صعود سريع للجماعات الجهادية على مسرح الأحداث، وانعكاس ذلك على نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية..
تكاد آراء المحللين في أغلب الصحف الأمريكية الكبيرة تتفق على عدم استعداد إدارة أوباما لأي تدخل عسكري واسع في اليمن، لكنهم شبه واثقين بأن واشنطن تلعب باوراق "رابحة" مع بعض أطراف الأزمة اليمنية بحثاً عن فرصة مضمونة لإحراز نصر نوعي على تنظيم القاعدة قبل انفجار الفوضى المحتملة- على غرار قتلها الداعية الأمريكي من اصول يمنية "انور العولقي" الذي يعتقد أن "ضابط كبير قام باستدراجه باتفاق مع الأمريكيين.
حتى الآن لم يسرب الأمريكيون أي معلومات عن "التكتيكات الجديدة" التي تقلقهم، لكن في أروقة وزارة الخارجية الألمانية كان هناك من يساوره قلق مماثل إلى حد ما من حملات تحريض منظمة ضد الاتفاقية الخليجية، وكذلك للانتقام من النظام وأركانه، وأن الإسلاميين ينشرون مئات الدعاة وخطباء المساجد لهذا الغرض.
أحد الدبلوماسيين الألمان أخبرني بأن زعيم أحد الأحزاب الليبرالية في تحالف المعارضة سرب معلومات لسفير الاتحاد الأوروبي بصنعاء  عن "خطة" للإسلاميين تبدأ بالتهيئة النفسية للمحتجين بنزعة الانتقام، وتنتهي عشية يوم الاقتراع للانتخابات الرئاسية في فبراير القادم بإطلاق أيديهم لتفجير ثورة انتقامية من النظام وأركانه، بعد أن يكون "صالح" فقد صفته وحصانته كرئيس لليمن.
ويعتقد هذا الدبلوماسي أن السيد "جمال بن عمر" ارتكب خطأ بعدم مطالبة القادة المعارضين الذين وقعوا الاتفاقية الخليجية بتحديد القوى التي يمثلونها من اجل تقييم مدى تنفيذهم الاتفاقية.. ويقول: أن هذه الثغرة ستقود المساعي الدولية للفشل كون التقييم الحالي ينظر إلى التزام الأشخاص الموقعين وليس التنظيمات التي يمثلونها..!
يبدو أن واشنطن لا تثق بنوايا المعارضين اليمنيين، ولا تتوقع أن يتخلى الإسلاميون والفصائل القبلية عن مراهناتهم على العنف، لذلك هناك حديث في عدة أوساط أمريكية حول رغبة أمريكية شديدة لبقاء أقرباء الرئيس صالح الذين يتزعمون وحدات عسكرية وأمنية في مناصبهم، خوفاً أن لا يجد نائب الرئيس عبد ربه منصور من يدعم خططه في التصدي للمتطرفين، والحفاظ على استقرار اليمن.

لكن منذ توقيع الاتفاقية الخليجية والشباب في ساحات الاحتجاجات يتظاهرون يومياً للمطالبة بمحاكمه "صالح" وأقربائه، وهم يقولون في قناة "الجزيرة" إن قادة احزابهم تعرضوا لضغوط دولية أجبرتهم على توقيع الاتفاقية، إلاّ أنهم لا يتحدثون عن نوع هذه الضغوط، أو ربما لا يعرفون شيئاً عنها..فقادة المعارضة رفضوا بداية العام العروض المغرية التي قدمها "صالح" لهم، لكنهم وافقوا مع نهاية العام على توقيع اتفاقية أقل إغراء بكثير من كل العروض السابقة..
البروفسور "أدولف بريختمان" الذي يعد دراسة لمؤسسة "جيمس تاون" عن الثورات العربية، قال أن قرار مجلس الامن الدولي (2014) منح الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وصاية على اليمن، وفوضها بالتدخل بشئونه، لأن هذه الدول هي التي تمتلك اوراق الضغط على النظام والمعارضة.
ويعتقد "بريختمان": أن معظم قادة المعارضة المتحكمين- مالياً وسياسياً- بساحات الاحتجاجات متورطون بقضايا الإرهاب وتجارة الأسلحة وتهريبها إلى بلدان خاضعة للحظر الدولي، وقضايا غسل أموال، وفساد مالي بجانب تورط بعضها بالتدبير لاغتيال "صالح" بتفجير مسجد كان يصلي فيه..وهذه القضايا يستخدمها الأمريكيون والأوروبيون لإملاء أوامرهم على قادة المعارضة.. فالخوف من مجلس الأمن هو خوف من ملفات شخصية يمكن للغرب استغلالها لاصدار مذكرات اعتقال دولية مماثلة لما صدر بحق الرئيس السوداني ووزير دفاعه.
حديث "بريختمان" ذكرني بمقطع فيديو شاهدته أواخر مارس الماضي في صفحة شباب ثورة اليمن على فيسبوك، وظهر فيه داعية إسلامي محاط بآلاف الشباب المحتفلين بانضمامه لثورتهم وكانوا يتدافعون للوصول إليه كما لو كان ملاكاً مقدساً.. لقد صعقت عندما أخبروني أنه "عبد المجيد الزنداني" المطلوب للولايات المتحدة بتهمة تمويل وتجنيد الارهابيين، وكان من قبل زعيماً للمجاهدين الأفغان، ثم أصبح رئيس جامعة الإيمان التي تنشر التطرف.. من يومها عرفت أن ما يحدث في اليمن ليس ثورة!!
عدة مسئولين أمريكيين اخبروني أن نفس الفيديو صعق البيت البيض أيضاً، وأن وكالة الأمن القومي عقدت مساء نفس اليوم اجتماعاً طارئاً لمناقشة الموضوع. فالأمريكيون كانوا متفاجئون أنهم يدعمون ثورة تقدس رؤوس صناعة الإرهاب في المنطقة..
قال أحد المسئولين الأمريكيين أن لديهم معلومات مؤكدة أن "الزنداني" ومعه "الجنرال علي محسن" كانا وراء تجنيد الإرهابيين وإرسالهم للعراق. وإن اثنين من أحفاد "الزنداني" شاركا في العمليات الإرهابية بالعراق، وأحدهم انتحر بحزام ناسف وسط المدنيين في "الرمادي"وهو إبن ابنته "عائشة" مديرة قسم النساء في جامعة الإيمان، وإحدى أبرز المسئولات عن جمع التمويلات للقاعدة عبر حفلات خيرية تحضرها زوجات الدبلوماسيين العرب وكبار رجال الأعمال والشيوخ في اليمن.
"الزنداني" ليس وحده في ساحة الثورة بل أن نجل "محمد المؤيد" الذي كان معتقلاً في أمريكا بتهمة تمويل الإرهاب يشغل مركز مدير لجان تنظيم الساحات.. و"عبد الله صعتر" المطلوب لأمريكا منذ 2004م بتمويل الارهاب وحكم على سائقه "نعمان المفلحي" بخمسة سنوات سجن هو الإمام الديني للثوار في صنعاء.. بينما الجنرال "علي محسن الأحمر" الذي يوصف بحاضن الجماعات الجهادية هو مسئول أمن ساحات الثورة.. وهناك العشرات من قادة التطرف اتضح انهم يقودون ثورة اليمن، بينهم زوجة زعيم قبلي بارز جداً تعمل في جامعة الزنداني ايضاً وتتولى مسئولية قيادة ساحة نساء الثورة..!!
إن تفشي الفقر والجهل وضع مصير اليمنيين بأيدي شريحة انتهازية من كبار الفاسدين في السلطة والمعارضة الذين يحركون بثرواتهم الطائلة ونفوذهم الساحة الشعبية ضد كل من يمس مصالحهم. فعندما بدأت اليمن عام 2006م بإنشاء هيئة عليا لمكافحة الفساد تحرك الفاسدون بالسلطة والمعارضة لدعم حركة انفصالية جنوب البلاد ثم فوضى في شمالها. وعندما اشعل الشباب ثورتهم ضد النظام في أول فبراير الماضي من أجل بناء دولة مدنية تحرك نفس لوبي الفاسدين إلى ساحات الثورة وأفسدوها وأسقطوها، وجعلوا أنفسهم أمام العالم هم قادة الثورة، وكان هذا من أكثر أحداث اليمن المثيرة للسخرية!
أحد الناشطين في منظمة (رند) الأمريكية قدر النفقات الشهرية التي يصرفها لوبي الفاسدين على ساحات الاحتجاجات بحوالي (15) مليار ريال يمني (قيل لي أن الدولار يساوي 228 ريال) يعني خلال 12 شهراً يصبح الإجمالي (180) مليار ريال. هذه ثروات طائلة جداً قياساً إلى مستوى فقر اليمن قد تظهر حجم إمكانيات لوبي الفاسدين على شراء كل شيء في اليمن من أجل حماية نفسه. لذلك لا أتوقع استقرار اليمن قريباً، لأن من يملكون المال نادراً ما يتفقون مع بعضهم البعض، وسيتجه كل منهم لدعم فصيل.
يقول سياسيون جنوبيون لاجئون في ميونيخ أن "صالح" أصر على الضمانات الدولية لتوقيع الاتفاقية الخليجية لأنه يتوقع أن التحالف الاسلامي القبلي لديه مخططات لن يصلها إلاّ بإشعال حرب أهلية. ويتفقون مع "صالح" في هذا الرأي فقط، حيث يعتقدون أن الاسلاميين والقبليين يسعون لمواصلة نهب ثروات الجنوب النفطية ومنع الجنوبيين من الاستقلال، وهذا لن يحدث إلاّ إذا بالحرب لأنهم لديهم فرقة جيش مدرعة وفصائل من المتطرفين الجهاديين!
ورغم أن البروفسور "بريختمان" يعتقد أن التعبئة للشباب من قبل الاسلاميين والقبليين قد تقود لأعمال انتقامية واسعة لكن من السهل للمجتمع الدولي تحديد القادة المسئولين عنها وإدانتهم وإجبارهم على السيطرة عليها، إلاّ أنني ما زلت مصرة بأن الوساطة الدولية تفتقر للتوازن وبعد النظر. فهم لم يعترفوا بقضية الجنوب ولا قضية الشيعة في الشمال رغم أن كلا القضيتين لهما امتداداتهما الإقليمية.. ولا أستبعد أبداً أن يكون ذلك مقصوداً لتحقيق مشروع تقسيم اليمن مستقبلاً.
في الوقت الحاضر،أرى مؤشرات تؤكد أن التحالف الإسلامي القبلي يسعى لاستدراج "صالح" إلى فخ الانتقام. فالمبالغة بالتصريحات الحميمة من قبل خصوم "صالح" في الحكومة ليست إلاّ محاولة لطمأنته وأركان نظامه وإغرائه بالبقاء داخل اليمن وعدم السفر إلى الولايات المتحدة.. فهم يعلمون أن الانفصاليين الجنوبيين والحوثيين سيقاطعون الانتخابات الرئاسية، ومعهم أيضاً قواعدهم الحزبية في ساحات الاحتجاجات الذين يحرضونهم يومياً على الانتقام..إذن من سينتخب الرئيس البديل لـ"صالح"..!؟

إن هذا الوضع يؤكد المعلومات التي تم تسريبها لسفير الاتحاد الأوروبي بصنعاء حول تخطيط خصوم "صالح" للدفع بقواعدهم عشية الانتخابات الرئاسية إلى الشوارع لمهاجمة المقرات الرئاسية والحكومية والانتقام من "صالح" وأقربائه وأنصارهم بحجة إنتهاء حكمه وفشل بديله المرشح "عبد ربه منصور" في الحصول على النسبة القانونية!

ما يحدث في اليمن شيء غير معقول إطلاقاً وقد يقود اليمنيين إلى الهلاك. فالاتفاقية الخليجية التزم بها نظام "صالح" لكن من الجانب الآخر لم يلتزم سوى ستة أشخاص هم قادة الأحزاب الذين وقعوا على الاتفاقية بينما مساعديهم وكل قواعدهم موجودون في ساحات الاحتجاجات يعلنون أنهم ضد الاتفاقية ويتوعدون بالانتقام.. وهذا شيء خطير!

إن المخرج الوحيد الذي قد يفشل مخطط فوضى الانتقام هو أن يغادر "صالح" اليمن بأسرع وقت كي لا يجدوا خصومه سبباً لاشعال الفوضى.. وأعتقد أن هذا الحل يحرج خصوم "صالح" أمام قواعدهم ويظهرهم كمهزومين، لكن هؤلاء القادة لا يهمهم الاحراج بقدر ما يهمهم إقرار البرلمان لقانون الحصانة لأنه ينقذ كبار قادتهم من المساءلة القانونية سواء عن تورطهم بحادث تفجير دار  الرئاسة، أو بقضايا متعلقة بانتهاكات مارسوها ضد الشباب الثوار، أو المساءلة بشأن جرائم فساد جمعوا منها ثرواتهم الطائلة. فعادة مثل هذه الملفات يجري فتحها بمجرد حدوث التغيير واستقرار الأوضاع السياسية، وربما تعلموا الدرس من أحداث الثورة المصرية.
 السياسيون الجنوبيون في ميونيخ يعتقدون أن بلادهم في طريقها للانهيار، ويقولون أن التحالف الاسلامي القبلي الشمالي سوف يستخدم تنظيم القاعدة لتفجير الأوضاع إن عجزوا عن تفجيرها سياسياً، ويدعمون رأيهم بأن هذا التحالف لا يهتم للتهديدات الدولية لأنهم واثقون أن الولايات المتحدة لا تجرؤ على التورط في حرب معهم داخل اليمن.
ويؤكدون أن المشائخ من آل الأحمر وقائد الفرقة المدرعة المنشق والزعماء الاسلاميين يرفضهم اليمنيون جميعاً، وإذا حسمت الأزمة بطريقة ديمقراطية فإنهم سيكونون أول من يطالب الشعب بمحاكمتهم على جرائمهم ونهب ثروات البلاد. لذلك فهم يبحثون عن أي وسيلة لتفجير الحرب الأهلية والفوضى داخل اليمن، لأن ذلك يضمن لهم البقاء في مراكز زعامية..!
ويقول هؤلاء السياسيون الجنوبيون أن قائد الفرقة المنشق- الجنرال علي محسن الأحمر- لن يفوت فرصة الاستعانة بأتباعه في تنظيم القاعدة ليتمكن من تعميم الفوضى ومن ثم إعادة تقديم نفسه وقواته كمنقذين للبلد، من خلال تعهده بالقضاء عليهم..!
وهذا يعني أن مستقبل حكم اليمن سيؤول لأيدي مجلس عسكري برئاسة الجنرال محسن- وهو ما لن تعارضه الولايات المتحدة طالما الأمر متعلق بالقضاء على القاعدة. فاليمن بلد يطوقه البحر من جهتين وشريط حدودي طويل مع السعودية بإمكانها إغلاقه لو أرادت ذلك.. إلاّ إن مثل هذا السيناريو سيكلف اليمنيين أرواحاً كثيرة، ويضعنا أمام سؤال أقرب إلى اللغز: هل تقود الولايات المتحدة لعبة منفردة مع الجنرال محسن بمعزل عن جميع القوى الأخرى..؟ وهل سيكون السماح بالفوضى والإرهاب هو كلمة سرّ واشنطن لتقسيم اليمن بإطلاق أيدي الانفصاليين الجنوبيين والحوثيين لفرض سلطاتهم على مناطقهم!؟
يعتقد قسم من اليمنيين أن قادة المعارضة المناوئة لـ"صالح" لا ينوون تفجير الأوضاع، وأنهم يستخدمون المحتجين المرابطين في الساحات- فقط- كورقة ضغط سياسية.. لكنني أشك في هذا الرأي كثيراً حيث أن الأحداث في اليمن لا تحركها أطراف سياسية وإنما الأقطاب المسلحة ذات القوة والمال كالاسلاميين المتشددين والزعماء القبليين، لذلك أتوقع أن شهر فبراير سيبدأ صاخباً بأحداث مثيرة جداً.. وحتماً أن اليمنيين سينسون يوم الرابع عشر من فبراير شراء الزهور لزوجاتهم وصديقاتهم وتهنئتهن بعيد الحب..!!  

السبت، 14 يناير 2012

سنة أولى ثورة

بشرى المقطري
 (1)
لا تكفي النوايا الطيبة لتصنع ثورة بيضاء كما كنت أعتقد، لا تكفي أحلامك التي خرجت من أجلها لتلعن صرختك أنت والشباب الطيبين" الشعب يريد إسقاط النظام"، وبعد عشرة أشهر ما زال هذا الشعار كالسكين يتجول في حلوقنا، ولم نعد نعرف كيف نصرخ ليسمعنا العالم، لأن زوابعنا الرعدية لم تتخطى حدود الفنجان. أدرب لساني الآن على الصراخ وأنا اتجه إلى عدن علي استطيع استعادة جذوة البداية، ووهج الأحلام التي لا تنطفئ.
لكن التاريخ لا يعيد نفسه، إلا بشكل ملهاة أو مأساة، وها نحن نعيش جزء من تراجيديا النزع الأخير، تراجيديا حتمية النخب السياسة والقبيلة والعسكر والدين، تحالف التخلف في بلادنا، لكن ألا يحق لنا أن تساءل لماذا الثورات في بلادنا تنتهي إلى تسويات سياسية مريعة؟ وهل علينا أن نتقبل هذا المصير الحتمي؟
أتذكر الآن خيبة أبائنا وأجدادنا، وأدبائنا ومثقفينا بعد ثورة 26 سبتمبر، نضالهم الطويل ليسقطوا نظام الإمامة، لتأتي بعد ذلك القبيلة والرأس الواحد ليقطف ثمارها، ويكتبه حسب إرادة المنتصر وليسقط مشروع الدولة المدنية ولينتكس الحلم، ها أنا اليوم أشعر بحزنهم وبخيبتهم، وقد تحايل على ثورتهم لصوص الثورات.وهاهو النظام اليمني "القديم" يعيد إنتاج نفسه في دائرة حلزونية لا فكاك منها..

(2)
في تعز التي خلفتها ورائي كجرح مفتوح، المدينة التي خرجت من صيرورة العماء لتشق طريقها في لليل الحديد والنار، لينادي أبناءها بفجر جديد ليس فيه دكتاتور البلاد الحزينة، هذه المدينة التي تضمخت سماءها بالدماء: أكثر من ألف شهيد مدني ومسلح، وقوافل من النساء الشهيدات، وأكثر من ثلاثة ألآلاف جريح، وأكثر من ثلاثمائة أسرة نازحة، المدينة الوحيدة التي أحرقت ساحتها وجرفت جثث أبناءها وسحلت في ميادين الحرية، المدينة التي غزاها "هولاكوا" ليدمر وجهها الحبيب، المدينة التي رفضت أن تكون محطة ترانزيت لصراعات العسكر وجنرالات الحرب، وأن تكون معادلة بائسة لناهبي الثروات ومشعلو الحرائق، هذه المدينة التي تنمو في دمي كغيمة متفتحة كلما استكنت في ظل العزلة، وآلمني الدمار الذي يلتف حولي، لقد قوضوا فيها كل شيء، ولم يعد فيها سوى جبال من النفايات ومنازل مهدمة ومعطوبي ثورة، ونواح في كل بيت، حياة متعبة لكنها تتسع للكون لأن في نبضها: شباب التصعيد الثوري.. شباب الحياة.

(3)
في الـ20 من ديسمبر. قرر هؤلاء الشباب. الشباب المندس، الشباب المنفلت من قيد الأحزاب العفنة، المعفرة وجوههم في الشمس والذين يجوبون المدينة في مسيرات يومية سلمية تتصدرهم سيارة ربع سوداء، للعزيز الرفيق. محمد صبر، أن يشقوا مسارات الرمل والحصى مشياً على الأقدام إلى صنعاء، لم أكن استوعب في عقلي المتواضع هذه المسيرة الجنونية وكنت كغيري أجزم بأننا لن نصمد وأن آلة القتل ستعترضنا في أي زقاق، خاصة وأن الأحزاب لم تكن راضية عن مسيرة ستقلب طاولة الرهانات السياسية على لاعبيها، انجررت معهم، تسوقني متعة الكاتب لأن يرى بعينه ما سيحدث، كنت أنقاد بوله أعمى إلى مسيرة الحياة، وكان الأمر في مخيلتي أشبه برحلة أسطورية قديمة قطعها الآباء في أيام النضال السري، وكنت أكتب حتى أفقد متعة الكتابة وأتجاوزها إلى متعة النظر الحسي وأنا أتذوق بعين مغمضة مشاهد الطبيعة: الجبال والوديان وقباب الشمس، وأرى النساء والشباب يمشون إلى جوار بعضهم في مشهد مدني لم تعشه هذه البلاد في تاريخها، ستة أيام من القيظ، ثم ستة أيام من البرد، ستة أيام من الحلم، ستة أيام من الجنون، مازلت أذكر مشهد وصولنا إلى ذمار، والقبائل تحيينا، ولم أكن قد عايشت القبائل أبداً، دائماً ترعبني ملامحهم وصوت الرصاص، كانوا يحتفلون بنا على طريقتهم البسيطة، والنساء يحجرن  حولنا. كان عرساً من أعراسهم البدائية، لكني كنت مفتونة بهذه الطقوس القبلية بالترحاب، مفتونة بهذه الطريقة البسيطة بالتعبير عن امتنانهم لنا. وكنت جداً ممتنة لهم، وللعالم، ولله، وللطرقات،وللحصى، وللبرد، ممتنة لأني كنت من حين للآخر أعبر صحراء رأسي ولا أجد سوى خوف نائي يطل بعينيه كلما اقتربنا من صنعاء.

(4)
كانت الأمور كلها طيبة"بلدة طيبة ورب شكور" لكن الأمور لم تعد طيبة، والرب الشكور لم يعد حاضراً في ليل خدار .. تركنا الرب نتدبر أمورنا، ولم نستطع أن نفعل شيء أمام عجزنا البشري، ياه كم أكره هذه المنطقة لما تبقى من حياتي.. العداء الذي كان موجه لنا، تهديدات الحرس الجمهوري وشتائمهم، عنجهية العسكر والقناصة متمترسين  في رأس الجبل، قبائل متعطشة لدمائنا وتنتظر الإشارة، الليل مظلم ولا نستطيع رؤية أقدامنا، وملايين من الشباب بثياب صوفية لاتقي من البرد في الشوارع وفي الوهاد، أقدامهم شققها المشي، حالات إغماء وتعب، لكن قبائل المنطقة لم تسمح لهم في البيات. هنا القبيلة تعبر مرة أخرى عن غريزتها الوحشية: قبائل النظام المتهاوي. مازلت أذكر صوت الرجل في الميكروفون وهو يستجدي إمام المسجد، ويستحلفه بكل أنبياء الله والصالحين أن يفتحه للشباب ليناموا، النساء اتجهن إلى المدرسة، ولم تكن هناك أبسط الضروريات موجودة، كنت أقف وأنظر للشباب وهم يحرقون الأشجار حتى يتدفئوا من البرد القارص الذي كان قد وصل إلى أقصى درجاته. كان ليلاً طويلاً، ليلاً حزيناً ودامياً، كنت ارتجف حتى أقصاي من البرد والوحشة، وعيون لا ترحم تطل من بعيد، العسكر والقبائل والبيئة المعادية، والله الذي لا يرانا...

(5)
بعد ليل خدير الدامي، نهض الشباب باكراً وتابعوا مشهيهم الحثيث، وإن لم يفق كثير منهم من هول ما تعرضوا له في ذلك اليوم، لكن إصرارهم العنيد للوصول إلى صنعاء ودخولها في النهار كانت أقوى من كل الشدائد:أميال من الخطى اللاهثة، أميال من الأمل المنجلي، هاهي الثورة تحيى من جديد، كان مشهد سريالي، لن تستطع عيناك حصر الأفق، كائنات بشرية من كل المدن، اختلطت لهجاتها، بأحلامها، بعرقها، بتعبها، بأفكارها عن الثورة، كان انصهاراً لكل الفروق المناطقية والطبقية والطائفية، وعلى أعتاب صنعاء كانت القرى والأهالي وحتى قباب المآذن، وأسقف البيوت الطينية تلوح لنا بشعارات الثورة، شعارات تخص تعز الحبيبة، تعز بهية المدائن، كانت المشاعر الدافئة تكنس ما علق في أرواحنا من غبن، وتغسل كإسفنجه كل مشقات المسير، كانت المسيرة الراجلة مهرجاناً حقيقياً للحياة، كرنفالاً بشرياً ثورياً لانتصار كل قيم المدنية والحب والتسامح والإخاء التي شوهته الحروب والصراعات وقبائل الفيد وكهنة الدين في وعينا، وأنت ترى الحشد المليوني لن تصدق أن هذه الفكرة المجنونة"فكرة الحياة" تدحرجت مثل كرة الثلج ولم يستطع أحد إيقافها، لا النظام المرتعد من هول ما رآه ولا قادة المشترك الخائفون من الجنون التعزي القادم.

(6)
في دار سلم  حدثت المصيدة وحتى الآن وأنا أخوض رأسي لأسابيع وأتذكر ذلك النهار الحائر، لحظة، لحظة، وأشعر بأن ما جرى لم استطيع استيعابه.قبل وصولنا دار سلم، جاء أحد المفاوضين من ساحة صنعاء وأخبرني بأنه لابد أن نتجه إلى شارع خولان، لأن الطرق غير آمنة وكنت معتادة على هكذا تهديدات، أخبرته بأني مشاركة في المسيرة وليس لدي سلطة حتى على نفسي، بعد ربع ساعة، أظلمت السماء بقنابل الغاز وكنت كغيري من المصابين، ثم انهمر وابل الرصاص من كل صوب، سقط عشرات الشهداء، وكانت مسيرة قادمة من صنعاء في اتجاهنا، وأرادوا تفريقها، وفجأة توقف الرصاص وصرخوا" اجروا. لقد فك الحصار"، أي حصار هذا الذي فك فجأة؟ ومن كان يحاصر من ؟ حتى الآن لم أفهم؟. وكيف كان الحرس الذين يقتلونا قبل وقت، يلوحون لنا من بعيد. أحتاج لكتيبة من المحللين  السياسيين يقنعون رأسي البليد بما حدث في دار سلم؟!. لكن ورغم المذبحة كانت الجموع تهدر تريد السبعين، تريد لذلك الطاغية الذي منحه السياسيين الحصانة أن ينتزع من عرشه الطاوسي إلى أقرب مزبلة، كان العقل الجمعي هو سيد الموقف، حالة من اللاوعي الأعمى الصادق وهو يعبر عن مسارات الثورة الحقيقية، حالة من الحمى، حالة من الجنون الغاضب، صرخة واحد مدوية، هادرة كطوفان الماء ستضل تتردد في أعماقي حتى يوم الدينونة:السبعين.

(7)
لكن رب السبعين كان محجوباً بعباءة السفير الأمريكي، وبتصريحات السياسيين المرتعدين، وبابتهالات قادة المشترك الذين أفزعتهم هذه الجموع المزمجرة وأخرجتهم عن كل لياقة سياسية، بعد مذبحة دار سلم تفرقت أيدي سبأ، البعض اتجه ركضاً إلى ساحة التغيير، والبعض اعتصم في جولة "45"، وهناك أيضاً لم يرحمهم القتلة، قنابل الغاز والرصاص كانت في انتظارهم وسقط عديد من الشهداء. لم أدخل ساحة التغيير احتجاجاً على ممارسات بعض قوة الثورة التي استقبلت الشباب بالضرب والاعتداء والتحريض المناطقي القبيح، وصلت بيت رفيقتي هالة القرشي، الساعة الحادي عشر.. كان يوماَ شاقاً ومروعاً، يوماً دموياً، يوماً تفجرت فيه حلوقنا من البكاء لأننا شعرنا بمذاق الإهانة جلياً كالملح في الجراح المتقيحة من ألم المشي، كالشوك حينما ينغرس عميقاً في لحمك الطرية المتوجعة وحينما لم تستطع أن تبكي أمامهم لأنك مقهور، لأن الله خذلك، لأنك قطعت 256كليو من الحنين إلى صنعاء وفي رأسك كانت تلمع الأحلام المتوهجة كسنابل قمح، ثم فجأة كل شيء ينتهي.. يتلاشى كسراب ويبقى قلبك المخلوع وحيداً في الفراغ..

(8)
المسيرة حركت طحلب الماء الآسن من أشهر، من قبل توقيع المبادرة. أعادت لأصحاب الحق حقهم، أعادت" معنويا" الثورة للشعب، لذلك هي أفزعت العالم الداخلي والخارجي، أفزعتني أيضاً صرخة الشعب حينما يتجرد من سياط الساسة ومن لعبة التوازنات، أفزعني الهدير الصاخب لأكثر المشاعر نبلاً وديمومة، أفزعني المشي المحموم ليسطر بالخطى ما لم يقدر على كتابته حتى الآن عبقرية دون كيخوتة ونحن نطارد طواحين الهراء السياسي. وعندما لم يستطع بعض كهنة المشترك المتدينين وبعض أذناب علي عبدالله صالح تفريغ هذه المسيرة من روحها، بدؤوا بشن حملات على القائمين والمشاركين في المسيرة، حملات تشهير، واعتداء وتهديد، وتخوين، وتحريض، بل وصلت "الديماغوجية" ببعضهم أن اتهمنا بالعمالة الأجنبية لإيران لاسقاط المبادرة، والحصول على أموال طائلة. تصوروا" إيران" و" الحوثية" هذه التهمة التي يلصقها كهنة الدين الجديد على كل من يخالفهم في الرأي، وهم يكررون اسطوانة نظام صالح. لم يرعبني هذا العهر السياسي المروع، لأني أدرك أن هذه المسيرة هزت أبراجهم العفنة، لأنهم أدركوا بأن هناك شعب جبار خارج المعادلة السياسية، ويستطيع هذا الشعب أن يحطم قيود الارتهان السياسي..

(9)
لكني ورغم هذه المسيرة الرائعة أشعر بخيبة كبيرة بحجم الله تتربع فوق صدري، خيبة الكاتب عندما تؤول أحلامه البسيطة إلى هباء، اتجهت إلى عدن علني أتخفف من كل الخيبات المتراكمة، عدن التي تخرج دائماً من قاع روحي كلما لمت بي النوائب، المدينة التي تمنحني توازناً فيزيقياً حالماً، المدينة التي يمكن أن ترى الله في بحرها وحيداً يطل عليك، طيباً ومتسامحاً، سترى الله في ضحكات الصياديين، وستسمعه في صوت امرأة عدنية وهي تضحك للعالم ملوحة للمارة بأن الحياة مازالت بخير، سترى الله حي في كل ما حولك، من صراخ الباعة لشجار الأولاد، لرائحة العود العدني، لزرقة البحر اللانهائية...

(10)
لكنك إذا فتحت عينيك جيداً سترى عدن أخرى تشكلت وفق إشتغالات السياسة، وحسابات الربح والخسارة، سترى الأعلام الجنوبية ترفرف في واجهات البيوت والمحلات والشوارع والأزقة: برع يا استعمار، ليخرج الشماليين من مدينتنا، الجنوب الحر يناديكم، الجنوب العربي، حب الجنوب يجمعنا، كنت أجوب عيني مذهولة من حملة الأعلام، ومن الجنوب الذي قسمته الحروب والأحقاد وصراعات الزعامات التاريخية الفارغة، الجميع يتحدث باسم الجنوب، وكل يرى بعينه حلاً لقضية الجنوب، ما بين" الفدرلة" وفك الارتباط"، و"حضرموت الكبرى"، شعارات كثيرة لم استطع حصرها، لكن رأيت جيلاً رائعاً من شباب الجنوب خال من أمراض الماضي وصراعاته، سيحقق صيرورته الفكرية والروحية وسيقرر مصيره بأياديه حتى وإن مازال صوته خافتاً.

(11)
وكانت هناك عدن أخرى، عدن الموجة السلفية الجديدة، كنت أرى الوهابيين الجدد، يمتدون لخاصرة عدن ملوثين هواء البحر وسكينة الروح العدنية الجميلة، هاهم يخرجون من كهوف الظلام، تجار الدين والموت والخراب، كان هناك حضوراً لافتاً للسلفيين وهو ما يهدد بنية عدن الثقافية وتسامحها، كان هذا الوهابي " الطارئ" يغزو عدن، وسترى في عينيك" الشعب يريد تحكيم شرع الله"،" الموت لأعداء الله"، وسترى أيضاً في الأسواق الملصقات الدينية التي هي صنيعة سعودية بامتياز، هذه السلفية الجديدة التي تبرز الآن بشكل جلي أيضاً في تعز وفي غيرها من المدن، هي الخطر الحقيقي الذي علينا تجفيفه، لأنها تهدد سلامة الحياة برمتها، سلامة التنوع، والاختلاف، ومحاولة تصدير حرب طائفية جديدة، واستنساخ التجربة البائسة للعراق...

(12)
في الشمال تدخل الثورة شهرها الحادي عشر، وفي عدن لم يعد هناك من ثورة، فقط في ساحة "كريتر" التي زرتها يرفرف علم وحيد وشاحب. ترى لماذا لم تستمر الثورة في عدن؟ لماذا صراخنا الحزين لم يصل إليهم؟؟. أدرك أن البعض يعتقد أن ناهبي عدن ومفتوو استباحتها في حرب94م هم اليوم واجهة الثورة، هم تحالف النظام القديم، نظام علي عبدالله صالح الذي حكمنا منذ أكثر من ثلاثين عاما، وأن هذا النظام "القديم الجديد" يعيد إنتاج نفسه لأنه لم يخرج من أرضية الفساد بعد، وأن سلاطين الأموال وجنرالات الحرب اعتلت الثورة، وأن المبادرة لم تقدم شيئاً للقتلة والمفسدين وناهبي الأموال سوى تخريج جميل للهرب، لكني اعتقد أن أبناء عدن وغيرهم من المدنيين هم التوازن الحقيقي لمشروع الدولة المدنية القادمة. وحتى لا تهددنا أوهام الخلافة الإسلامية..

(13)
كان علي أن أزوره: حكيم الزمن الأخير، أبو الرفاق الطيبين، الأستاذ: علي مقبل عباد ، رجل الحلول الصعبة والمستحيلة، الرجل الذي تتكسر الأمواج عند قدميه كصخرة، زرته في بيته الكائن"في خور مكسر"، بيت متواضع تكسوه الألفة والحب، كنت احترم صمته المهيب وأنا أحاصره بأسئلتي البلهاء: عن اليسار والثورة والنظام، والشباب؟، محاولة نبش ذاكرته المتعبة، وكان يلجمني بحكمته.. كلمات كحد السكين.. حكمة من نجى، نحن الرفاق الذين لم ننجو من ركام طواحن التواريخ والبله، كانت خيبته أكبر من خيبتي، وهو يتحدث عن لصوص الثورة؟ وعن النظام؟ والمبادرة؟ وعن أبين المصلوبة التي لم ينتبه إليها أحد، كان في كلماته جراح عميقة لم استطع أن أردم كوابيسها. كانت حكمته الرائعة ليقيس هذه الثورة من فوق جبل الله: حينما تعرفون أين تضعون أقدامكم وتكونون أحرار في خياراتكم ستستعيدون الثورة من اللصوص.
كان هذا الحكيم الطيب، بسنواته السبعون، بعينيه الثاقبة المكتظتين بالأحداث، بثيابه البسيطة التي تشبه سمو روحه، يلخص مفارقات ثورتنا، ومفارقات الحزب الاشتراكي اليمني الذي يتخبط الآن كقاطرة قديمة ويجر خلفه ملايين من الرفاق الطيبين.. الحزانى.

(14)
في الطريق إلى تعز كانت الأعلام الجنوبية تودعنا، وشعارات السلفيين، وكنت أفكر بمدينتي، تعز الحبيبة الملتفة بأوردتي، أفكر بها وبأبنائها الطيبين، هؤلاء الذين عليهم أن يحملوا ثارات الوطن وأحقاده على ظهورهم كصخرة سيزيف فقط ليثبتوا للجميع آدميتهم حتى لو تآكلت جلود أقدامهم في مسيرات تطالب بحق الحياة، حتى لو تيبست شفاههم وهم يمضغون " الصف ووحدة الصف". كم أنا حزينة من أجلهم لأنهم لا يدركون أن هذا الواقع الطحلبي الجديد لن يتشكل وفق أحلامهم لأن نظام صالح سيتحالف مع القوى التقليدية في نظام ما بعد صالح، سيتحالف أيضاً مع السلفية الجديدة التي تنهب الآن عدن لينتج نظام الكوارث والأزمات وحروب الطوائف، وسيبقى أبناء تعز المدنيين خارج التاريخ الواقعي، في تاريخ افتراضي فيسبوكي يشيدون فيه أحلامهم، لكني اعتقد أن علينا جميعاً أن ندرك بأننا مازلنا في كراسي المدرسة، في سنة أولى ثورة، لنتعلم من كل أخطاءنا ونستوعب تناقضات واقع الثورة الجديد، ولانستكين للأنظمة الجديدة القديمة المتحالفة على سحقنا، أنظمة الفساد التي رباها صالح وكهنة الدين السياسي، فهذا الوطن يحتاج لثورات عديدة لدك أسس التخلف والإقصاء والوصاية وتأسس ثقافة مدنية تعددية متسامحة بعيداً عن فتاوى الوعظ والإرشاد، نستطيع ذلك حتماً حتى لو بقت فقط تلك اليدان الوحيدتان اللتان كانتا تصفقان للحياة في ليل خدار. 

السبت، 7 يناير 2012

حرارة جسمي مرتفعة

حبيبة الروح ... يا وجه النور الدافئ 

بينما أنا مريض بالبرد .. وصدري يؤلمني وحرارة جسمي مرتفعة ، رأيتك في حلم جميل لن أنساه يوماً ، ولا أظنني سأحلم مثله ثانية . وعندما استيقظت من نومي  كتبت لك هذا :

الساعةُ تسعه
وحرارة جسمي مرتفعهْ .
آهٌ لو  يُمناكِ على 
جبهة رأسي موضوعهْ
لو مسحت من صدري وجعي
وأزالت من خدي دمعهْ.. 
أنفاسي انتِ وعلاجي .
 ورحيق مسائي والشمعة . 

يا أروع ما خلق اللهْ
يا سفر العطر على شعرك
ما حيلة عاشق نجواهْ
أن يلثم شيئاً من ثغرك
ولتفنى حرقاً شفتاهْ
ويموت سعيداً في صدرك

عبدالله يحيى العلفي
8/1/2012

الأحد، 25 ديسمبر 2011

أيتها الأنثى حلقي .



أيتها الأنثى حلقي
لا يليق لروحك المكتنز بهذا البهاء أن تكوني حزينة .. أن يعكر عطر شفاهك الشجى.
وأحلامي على صدرك ، لا شيء في الدنيا يستحق أن يخفت نورك لأجله.

رفقاً بأنثاك يا آنستي.
 فتلك اللعوبة ، الشقية ، الشغوفة التي أينعت تحت مسامات جسمك الناعم قد ضاقت داخل أبريق بالي.
أنت أنثى خلقها الله لأجله.
من أجمل ضحكاته وأزكى روائحه وأشهى رغباته خُلقتي. تعمد الله أن يضع أجمل أشياءه فيكِ ، ليرى جماله عليكِ.
فإكراماً لصفاتك المقدسة أطلقي العنان لأنثاك تحلق على صهوة شهاب بين الكواكب والنجوم ، تغرس  في كل زاوية وردة .. وابتسمي للكون.
ارقصي عارية كالضوء ، كالندى ، كنسمة الصبح.
فبك أنت - أنت فقط - تسمو كل أشياء الدنيا مكاناً عليا ، ودونك أنت- أنت فقط ـ  تهبط السماء مثقلة بالأوجاع والأوزار.

عبدالله يحيى العلفي

اللوحة المرفقة (لاسكابيلياتا - رأس الأنثى)
للفنان الإيطالي ليوناردو دافنشي


الخميس، 22 ديسمبر 2011

ربيع العرب ينتحر في اليمن.. ساندرا إيفانس تكشف أخطر مخططات التحالف الاسلامي القبلي


ربيع العرب ينتحر في اليمن.. ساندرا إيفانس تكشف أخطر مخططات التحالف الاسلامي القبلي

ساندرا ايفانس- ناشطة ألمانية، وأستاذة جامعية/ رئيسة المركز العربي الألماني للدراسات الاستراتيجية

تؤمن المستشارة "أنجيلا ميركل" أن تغيير النظام في اليمن"لم يعد قابلاً للجدل، بل هو حتمي"، لكنها أخبرت الصحافيين "أن العملية معقدة جداً". وقالت أن قرار مجلس الامن الدولي رقم 2014 "كان متحفظاً"، وكانت تغمز بأن مجلس الأمن تعامل مع قضية اليمن كنوع مختلف عن ليبيا وسوريا.
هذا التراجع في الحماس الألماني إلى الحديث عن "تعقيدات" جاء متأثراً بتراجع الموقف الأوروبي ومن قبله الأمريكي عن أخطائه الفادحة في اليمن، وما أشيع مؤخراً في عدة دوائر سياسة أمريكية بأن تقديرات البيت الأبيض لبدائل نظام صالح لم تكن دقيقة، حيث يسود قلق كبير بأن الإسلاميين تجاوزوا الخطوط الحمراء، ويتجهون لتقرير مصير اليمن بمفردهم، وفي الأغلب بقوة السلاح.. وهو ما أثار حماس السيناتور "جون ماكين" للدعوة إلى تدخل عسكري في اليمن.
خلال شهر سبتمبر كانت صحيفة "واشنطن تايمز" تنرجم ذلك القلق بتقارير هاجمت فيها بعض قادة الاسلاميين، وكان هناك إحساس غريب لدى المحللين بأن الولايات المتحدة ربما تعرضت لخديعة من قبل الاسلاميين في اليمن، أو ربما فعلاً فلتت الأمور من يديها.. لكن مثل هذا الإحساس بدى شبه مؤكد في أوروبا، فقد وجهت صحيفة "الليموند" الفرنسية نقداً لاذعاً للدور الأوروبي في اليمن على خلفية تصريحات السيد "ميكيليه سيرفونيه دورسو" رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي في اليمن يوم الأول من فبراير التي اعترف فيها بتجاوز المعارضين اليمنيين الخطوط الحمراء، وقالت "أن الأوروبيين يتخبطون وقد وضعوا أنفسهم في مأزق مع المتطرفين"..!!
حاولت إدارة أوباما الحد من تهور الاسلاميين اليمنيين بإغراء زعمائهم بضرورة تدويل الأزمة لكسب ضغوط وعقوبات تطيح بنظام "صالح" سريعاً.. ولم يكتشف الاسلاميون الفـخ الأمريكي إلاّ بعد صدور قرار مجلس الامن الدولي رقم 2014الذي حملهم الكثير من مسئوليات الفوضى وألزمهم بقواعد اللعبة وطلب منهم نزع السلاح والتوقف عن تدمير مؤسسات البلد، وقد اضطرهم هذا للتفكير مجدداً باسترضاء الأطراف الدولية لكسب تأييدها في نقاشات مجلس الأمن القادمة.
فتحالف الاسلاميين- الذي يضم فرقة جيش منشقة، وفصائل قبلية مسلحة، وفصيل ديني متطرف يقوده رجل الدين الزنداني- يسعى لانتزاع فرصته التاريخية للحكم بالقوة.. فهم يخوضون منذ أيام معاركاً عنيفة في تعز- أكبر مدن اليمن بالكثافة السكانية- من أجل الوصول الى ميناء "المخا"، ويحرضون في الجنوب ضد ميناء"عدن" لاحتلاله، في نفس الوقت الذي يتصارع الاسلاميون "السنة"مع الحوثيين "الشيعة" على ميناء "ميدي" القريب من المياه الدولية السعودية. وهذا شيء خطير جداً يعني أن الاسلاميين يبحثون عن منافذ لوصول أسلحة نوعية ذات قدرات تدميرية تفوق ما هو موجود بأيديهم- بما يعني أنهم يخططون لخوض حرب طويلة.. والأخطر في رغبة الاسلاميين بااحتلال الموانيء هو فتح الجسور مع تنظيمات القاعدة في الجانب الأفريقي- خاصة الصومال. وهذا ليس فقط سيفتح الطريق أيضاً للمجاهدين العرب من مختلف بلدان العالم لدخول اليمن، كما حصل في ليبيا أو قبلها العراق، وإنما أيضاً سيضع الممر الملاحي الدولي "باب المندب" بين فكي قاعدة الصومال وقاعدة اليمن. (المترجم: علماً أن الاسلاميين يحاصرون منذ أيام ميناء الحديدة).
حرب الاسلاميين لاحتلال"الموانيء" تتزامن أيضاً مع حرب أخرى في منطقة "أرحب" يقودها رجل الدين عبد المجيد الزنداني- المطلوب للولايات المتحدة بتهمة تجنيد وتمويل الارهابيين- من أجل الوصول إلى مطار صنعاء الدولي بهدف إغلاق اليمن أمام الخارج ومنع المجتمع الدولي من معرفة حقيقة ما يعتزمون القيام به، خاصة في ظل انحياز الاعلام عامة لثورات الربيع العربي.
لكن الأمريكيين والأوروبيين يسعون لاستباق توقعاتهم المتشائمة بالضغط باتجاه الحلول السياسية. فمن المتوقع أن يوقع الرئيس صالح خلال الأيام القليلة القادمة اتفاقية التسوية التي أعدتها دول الخليج وأيدها مجلس الأمن، والتي بموجبها سيتخلى عن صلاحياته لنائبه ويبقى هو رئيساً شرفياً حتى يتم انتخاب رئيس جديد للبلاد. ومثلما هو مؤكد أن يوقع صالح الاتفاق فإن من المستبعد أيضاً أن يتم تنفيذ أي شيء آخر من الاتفاق..
فأطراف المعارضة اليمنية لم تتفق على قيادة موحدة، ولا على مسودة مشروع سياسي للحكم. كما برز مؤخراً خلاف جوهري حول القوى المسلحة في التحالف الاسلامي(فصائل مشائخ آل الأحمر، وفرقة الجيش المنشقة، فباستثناء الاسلاميين فإن جميع الأطراف الأخرى تطالب بوجوب إبعادهم من مشهد التغيير بسبب اتهامات بالفساد وجرائم مختلفة، ولأنهم مصنفون من مخلفات نظام صالح. إلاّ أن الاسلاميين يرفضون انتهاء موسم الربيع العربي منتحراً في اليمن باتفاق يظهر كل ما حدث طوال عشرة أشهر بأنه أزمة سياسية وليست ثورة؛ رغم أن بعض قادة "حزب الاصلاح" بدءوا يتخوفون من إمكانية هيمنة القوى المسلحة على الحكم واقصائهم من الحسابات.
أن البحث عن سبب منطقي للاسلاميين يدعوهم للتشبث بتلك القوى المسلحة قد يرسم ملامح سيناريو محتمل، وهو أن الاسلاميين ربما يخططون بعد توقيع الرئيس صالح على نقل صلاحياته لنائبه بالدفع بقواعدهم الى شوارع العاصمة والمدن الكبيرة لخلق فوضى عارمة تقود الى صدام مع الأجهزة الأمنية، ليترتب عن نتائج ذلك الصدام ذرائع جديدة لتدخل قوات الفرقة المنشقة وفصائل القبائل التي يقودها مشائخ آل الأحمر.
فهناك مؤشرات على أن الاسلاميين يراهنون على تفجير الوضع عسكرياً من أجل إعادة تقديم قياداتهم المرفوضة بصفة "المدافع عن الثورة" ضد بقايا نظام صالح من أقربائه الذين يقودون أهم المؤسسات العسكرية والامنية.. فهناك حسابات انتقامية شخصية سيصرون على حسمها.. وهذا من شأنه أن يطلق لأول مرة أيدي نخب الجيل الثاني في النظام لحسم المعركة بطريقتهم الخاصة، بما يمكن أن يقلب كل الحسابات المتوقعة.
يعتقد الأدميرال الروسي المتقاعد "ادوارد بالتين" أن أي حرب سيفجرها الاسلاميون في اليمن قد تمنح النظام "ضوء أخضر" دولي لتحريك وحدات الجيش الضاربة، كقوات الحرس الجمهوري التي يقودها نجل الرئيس صالح والتي تمتلك أحدث التكنولوجيا الحربية وأفضل المقاتلين المدربين. ويقول أن الغرب يرفض إنهيار الدولة على أيدي القبائل والمتطرفين، ويتخوف أن يؤدي ذلك إلى نقل جزء كبير من الامكانيات العسكرية الحيوية لأيدي التنظيمات الارهابية المتواجدة بكثافة على نفس الأرض. كما يتوقع أن تؤيد الأحزاب غير الاسلامية والقوى الليبرالية الجيش في ضرب الراديكاليين والقبائل لقناعتهم بأنها قوى غير مدنية، وستقصيهم من المشاركة السياسية، وربما تغرق البلد بالعنف.
أما الكولونيل "بريجييف ديمنتوف"- خبير السياسة الدولية بموسكو-فيشير إلى أن القلق الأمريكي من الاسلاميين بدأ منذ ما يزيد عن سبعة أسابيع حين كشفت لجنة التحقيقات الأمريكانية بحادث اغتيال الرئيس اليمني "صالح"وأركان نظامه بأن السلاح المستخدم في قصف المسجد هو سلاح أمريكي الصنع استخدمه الجيش الأمريكي في العراق. وأنه وصل إلى اليمن عبر إحدى المجاميع الارهابية التي خاضت معاركاً مع الأمريكيين في العراق. ويقول: أن الولايات المتحدة طلبت من اليمنيين تأجيل الاعلان عن ذلك ريثما تكمل تحقيقاتها، حيث أن الموضوع يشكل إحراجاً للقوات الامريكية.
ويضيف الكولونيل "ديمنتوف" بأن أصابع الاتهام الأمريكية توجهت الى الزعيم الاسلامي الملياردير حميد الأحمر وقائد فرقة الجيش المنشقة، حيث أن الأول يمتلك المال الوفير لشراء مثل هذه السلاح الباهض الذي لاتمتلكه سوى دولتين في العالم "أمريكا وروسيا" والثاني يمتلك الخبرة العسكرية والعلاقات الوثيقة بالجماعات الارهابية. ويتوقع أن تستغل الولايات هذا الموضوع لإجبار الزعيمين المذكورين على الخروج من لعبة الربيع الثوري اليمني، إن نجحت واشنطن فعلاً في التوصل إلى أدلة دامغة تدينهما.
يعتقد كثير من اليمنيين إن أقدم الاسلاميون على سيناريو الانقلاب على اتفاق التسوية الخليجي، فإنهم لن يستمتعوا طويلاً بالنشوة الثورية، لأن الحرب الأهلية ستشتعل في كل متر من اليمن.. ولن يقتصر الأمر على حرب وحدات عسكرية بل أن تنظيم القاعدة الذي يحتل محافظة أبين حالياً سيفجر أعنف معاركه لإعلان إماراته الاسلامية الجديدة بتحالف مع التيار السلفي للشيخ عبد المجيد الزنداني.. كما سينتهز الجنوبيون الفرصة إعلان انفصال محافظاتها الستة وخوض حرب عصابات يحترفونها ضد كل من يقف بوجههم.. وكذلك سيفعل الحوثيون الشيعة لبسط نفوذهم الكامل على ما لا يقل عن ثلاث محافظات شمالية..
فاليمن ليس كغيرها، إذ أن كل من فيها يملك قبيلة، وسلاح، وقدرة على القتال لزمن طويل- كما فعل الحوثيون بمواجهة جيوش دولتين "اليمن والسعودية" دون أن يكون لديهم فرق مدرعة أو أسراب طائرات.. لهذا عندما تحدثت في لقاء خبراء ستوكهولم أخبرتهم أن الربيع العربي سينتحر في اليمن، فالثورة في اليمن قدمت رأسها قرباناً للفاسدين وتجار السلاح والحروب، خلافاً لكل ثورات العالم..
أعتقد أن هناك أخطاء فادحة، وضعت اليمن بين مخالب الاسلاميين، ارتكبها الوسطاء الدوليين بضغطهم على نظام صالح لتوقيع اتفاق مع طرف لا يمثل إطلاقاً جميع قوى الشعب اليمني، وإنما يمثل التحالف الاسلامي القبلي بدرجة أساس، حيث أن"مجلس المعارضة" الذي يرأسه "محمد باسندوة" ونائبه "حميد الأحمر"هو وجه آخر لتحالف أحزاب اللقاء المشترك الذي يضم بجانب الاسلاميين أحزاب لا يتجاوز عدد أنصارها جميعاً ثلاثة آلاف شخص. أما القوى التي تم تجاهلها فهي: "الجنوبيون الانفصاليون" ويشغلون ستة محافظات يمنية وكانوا يشكلون دولة بكل معنى الكلمة.. ثم "الحوثيون الشيعة" الذين حاربوا جيوش دولتين-إحداهما السعودية.. ثم الشباب الذين فجروا الاحتجاجات.. إلى جانب القوى الليبرالية المستقلة.. ألا يبدو غريباً تجاهل قوى بهذا الحجم الهائل والإمكانيات؟؟
أن هذا الاقصاء لم يكن عفوياً، فالولايات المتحدة هي من قرر للعرب أن يكون ربيعهم إسلامي "سني" وليس "شيعي" أو "علماني".والسبب الأهم هو أن مشروع الاتفاق مقدم من دول الخليج وترعاه المملكة العربية السعودية، وبالنتيجة فإن التحالف الاسلامي القبلي هو النمط المثالي المتوافق مع أنظمة حكم الخليج- خاصة السعودية. كما أن قادته يمثلون عبر فترات التاريخ امتدادات تبعية ومعظمهم يملكون عقارات ومصالح تجارية داخل السعودية، ومن غير المتوقع التسبب لها بمشاكل مستقبلاً أو السماح لأي خطر بتهديدها.
من الواضح أن القلق السائد حول اتجاهات الأزمة اليمنية هو نفسه الذي يشغل تفكير بقية القوى السياسية اليمنية.. ففي ألمانيا أعداد هائلة من الجنوبيين اللاجئين هنا منذ اجتياح قوات صالح والقبائل الشمالية لمدنهم في 1994م.
ما استخلصته من لقاءاتي مع بعض القادة الجنوبيين "اللاجئين" هو أنهم يسعون لإعادة استقلال بلادهم، وإلى حماية دولية في الوقت الحاضر كونهم يصفون"مجلس الثورة" الذي يفاوضه النظام لنقل السلطة بأنه (مجلس حرب 1994)، فهم يقولون أنه يضم نفس وجوه الاسلاميين المتشددين الذين أعلنوا الجهاد ضد الجنوب، ونفس قبائل آل الأحمر التي نهبت الجنوب واستولت على الأراضي والثروات، ونفس فرقة الجيش التي اعلنت الحرب ضدهم وشردتهم من مدنهم.. ويعتبرون وجود الاشتراكيين والقوميين في المجلس "مجرد ديكور" لأن "أنصارهم لا يتجاوزون بضع مئات".
ويتخوف الجنوبيون بأن تجاهل مجلس الأمن الإشارة إلى قضيتهم في قراره الأخير قد يشجع التحالف الاسلامي القبلي لمحاولة فرض أجندته السياسية بالقوة على الجنوب فسيكونون مضطرون لإعلان الكفاح المسلح. كما يجري الحديث عن محاولات لاغراء قادة جنوبيين وتقديمهم كممثلين عن الجنوب "لاسقاط الذرائع وتبرير قمع المعارضين"- بحسب ما أخبرني أحد زعماء الجنوب.. كما أنه لا يستبعد أن يلجأ الاسلاميون للعمل الجهادي مع تنظيم القاعدة لاحتلال بعض مناطقهم واتخاذ ذلك ذريعة لغزو مسلح جديد للجنوب..!
إلاّ أن بعض الخبراء يعتقدون أن الغرب قد يتعمد اقحام الجنوب بعلاقة مضطربة مع الحكام الجدد "التحالف الاسلامي" ليكون ذلك مدخلاً مناسباً لإعادة فصله باستفتاء دولي أو بتبرير قرارات سابقة لمجلس الأمن صدرت أبان حرب1994. فمجلس الأمن لم يضع مراجعة للملف اليمني كل 60 يوماً إلاّ إذا تضمنت أجندته حسابات مؤجلة لوقتها المناسب.
يعتبر "الجنوب" كلمة سرّ نفوذ الاسلاميين في اليمن. فقد خدعوا رئيس سابق "ابراهيم الحمدي" بفكرة المعاهد الدينية بذريعة التحصين ضد الماركسية فأنشأوا أوسع حواضن تفقيس الاسلاميين. وقدموا أنفسهم للرئيس صالح في أول عهده كمجاهدين ضد مليسيات الجنوب بقيادة "سعيد القباطي" الذي تقود حفيدته "توكل كرمان" احتجاجات الاسلاميين اليوم. فكسبوا أموالاً ومناصباً سياسية. وقادوا المعارضة ضد الوحدة "مع الشيوعيين" ليفوزوا بمقعد بالمجلس الرئاسي الخماسي لدولة الوحدة. وفي 1994م حققوا أوج مكاسبهم المادية والسياسية بدفع صالح لاجتياح الجنوب. وما هم عليه من نفوذ اليوم أيضاً بدأ من الجنوب عام 2006م بحملات تحريض شملت الجنوب قرية بعد أخرى قادها حميد الأحمر وقادة حزب الاصلاح لمصادمة الجنوبيين مع السلطة..
تلك الحقائق قد تطرح اليوم سيناريو افتراضي وهو أن الجنوب قد يكون مدخل الاسلاميين التالي الى خيار "الحكم للأقوى" تحت ذريعة الدفاع عن الوحدة، في حال انتفض الجنوبيون سواء من أجل الانفصال أو المطالبة بحقوق سياسية متساوية.
أما الزعماء الحوثيون "الشيعة" اللاجئون في ألمانيا فقد بدوا أكثر ثقة بأنفسهم وإمكانياتهم من الجنوبيين الذين تربطهم بهم علاقة وطيدة، ونشأ بينهم مؤخراً تحالف استراتيجي.. فالحوثيون لا يريدون الانفصال بدولة مستقلة وإنما المشاركة في دولة مركزية وحكم فيدرالي. وما زالوا مختلفون مع مجلس المعارضة الثوري كونهم يطالبون بأن يتم اتخاذ القرار داخل المجلس بالتوافق لا باغلبية الأصوات، وإلاّ فهم سيرفضون الدخول في المجلس، وهو المرجح بأنهم سيقفون في الجبهة المناوئة للاسلاميين.
فالحوثيون اقرب ما يكونون لحزب الله اللبناني في تفكيرهم ونظامهم، ويتحركون بهدوء، وبخطى أذكى من الاسلاميين "السنة" بكثير، وربما يفاجئونهم بسعة قاعدة نفوذهم وخططهم..
لا شيء يقلق القادة الحوثيين أكثر من المد الوهابي المتطرف والأجندات السعودية في اليمن. فهم يؤكدون أن المملكة العربية السعودية تدفع مئات ملايين الدولارات سنوياً لنشر فكر الوهابية المتطرف في اليمن ولشراء ولاءات القبائل ومشائخها ورجال الدين والقادة السياسيين.. وأنا أوافقهم الرأي.. فالسعوديون قلقون من أن يسهم الوضع السياسي الجديد في اليمن بتمكين الحوثيين من نفوذ سياسي مؤثر.لذلك فالموقف الرسمي المعلن ظل مع النظام اليمني لكن عملياً مع الاسلاميين المعارضين والقبائل، وهو ما يفسر أن مدينة الجوف المتآخمة للحدود السعودية كانت أول مدينة تسقط بيد الاسلاميين ليخوضوا حرباً ضد الحوثيين لتقويض نفوذهم قرب الحدود. وهو دور قديم يتوارثه الاسلاميون وقبائل أل الأحمر وغيرهم منذ عشرات السنين.
القادة الحوثيون يتوقعون قيام السعودية بتوظيف نفوذ الاخوان الاسلاميين والقبليين المسلحين في صراعات معهم "حرب مذهبية".. ويعتقد معظم السياسيين أن ذلك أمر وارد جداً في ظل تعاظم الخوف السعودي من النفوذ الفارسي الايراني في الجوار اليمني والبحريني والعراقي، حيث دفعت السعودية بجيوشها الى البحرين لخوض حرب ضد الشيعة.. لكن أحد القادة الحوثيين الذين التقيتهم أكد أنهم قادرون على "تفجير الثورة داخل الأراضي السعودية"، فهم اليوم يحرضون بمنشورات وخطابات داخل ساحة الاحتجاجات بصنعاء شيعة المنطقة الشرقية وأبناء الطائفة الاسماعيلية في نجران الذين فجروا عام 2000م انتفاضة شعبية كبيرة أطاحت بأمير نجران. فالسعودية لا يمكن أن تنجو من فوضى اليمن طالما حلفاؤها في الجانب اليمني تجار حروب ومشائخ فاسدين.
أما فيما يتعلق بالقوى المدنية الليبرالية التي تضم نخب المثقفين والشباب المستقلين، فإنهم لا يشكلون رقماً مهماً في حسابات ثورات الربيع العربي. فهم فئة مسالمة وكان من السهل في تونس ومصر قمعها بالقوة على ايدي الاسلاميين. وقد حدث مثل ذلك في اليمن حين قام الاسلاميون بضرب واعتقال عشرات المثقفات والمثقفين في عدة مسيرات، كما تم مضايقتهم في ساحات الاحتجاجات حتى اجبروهم على مغادرتها.
إلاّ أن هذه القوى الليبرالية تعرف مصيرها أيضاً، وستحاول حماية نفسها بالتحالف مع قوى أخرى مثل الاشتراكيين والقوميين، وربما أيضاً مع حزب الرئيس صالح"المؤتمر الشعبي" الذي سيتعرض لهزة عنيفة بعد مغادرة صالح كرسي الرئاسة، ولن يكون سهلاً عليه استئناف نشاطه السياسي في وقت قصير من ذلك، فالاسلاميون يطالبون باجتثاثه، وهو أيضاً حزب فشل في بناء أي كيانات مؤسسية مدنية لنفسه تكفل له الحماية أو الاستمرار مستقبلاً.
من الواضح أن "التعقيدات" افي عملية التغيير التي أشارت إليها المستشارة "أنجيلا ميركل" ترتبط بدرجة أساسية بالمستوى الكبير من المتناقضات بين عدد كبير أيضاً من الأطراف اليمنية.. ففي اليمن شعب فقير، غارق بالمشاكل، من السهل لأي تاجر أن يستأجر مئات الآف من شبابه العاطلين مقابل قوت يومهم ، ويعلن عن ثورة.. كما فعل الزعيم القبلي الاسلامي الملياردير حميد الأحمر الذي تتجاوز ثروته84 مليار دولار، وكما فعل الجنرال علي محسن الأحمر الذي تقدر أملاكه من الأراضي ما يفوق مساحة العاصمة صنعاء بكل قراها وضواحيها، وتتوزع أرصدته البنكية على أربع دول: سويسرا، ألمانيا، الإمارات، السعودية..
بعد عشرة أشهر من الأزمة ما زال "صالح" رئيساً لليمن، بينما رحل الشباب المطالبون برحيله منذ 21 مارس يوم احتلت فرقة الجيش ساحاتهم. ولم يبق من الربيع اليمني سوى مليشيات إسلامية متطرفة وفصائل قبلية مسلحة تخوض مع نظام"صالح" معركة، كان يفترض خوضها قبل أعوام طويلة..!!
*ساندرا ايفانس- ناشطة ألمانية، وأستاذة جامعية/ رئيسة المركز العربي الألماني للدراسات الاستراتيجية